قراءة في كتاب الكواكبي : طبائع الاستبداد..!
علي رهيف الربيعي
حذر الكواكبي ليس فقط من المتاجرين بالدين، بل أيضا من استخدامه في بث روح الاستكانة والخنوع ، فيقول إن المتدين المعذب قد ” يسلي نفسه بالسعادة الأخروية، فيعدها بجنان ذات أفنان ونعيم مقيم أعده له الرحمن… ولبسطاء الإسلام مسليات أظنها خاصة بهم يعطفون مصائبهم عليها، وهي نحو قولهم : الدنيا سجن المؤمن ، اذا أحب الله عبدا ابتلاه… وكل هذه المسليات المثبطات تهون عند ذلك السم القاتل ، الذي يحول الأذهان عن التماس معرفة سبب الشقاء، فيرفع المسؤولية عن المستبدين ويلقيها على عاتق القضاء والقدر (1).
بل إن الكواكبي يرى بوضوح ان الإصلاح لا يتم عن طريق الدين في ظل الاستبداد والتخلف فيحذر بقوله : ” والأمر الغريب، أن كل الأمم المنحطة من جميع الأديان تحصر بلية انحطاطها السياسي في تهاونها بأمور دينها، ولا ترجو تحسين حالتها الاجتماعية إلا بالتمسك بعروة الدين… ويريدون بالدين العبادة ، ولنعم الإعتقاد لو كان يفيد شيئا، لكنه لا يفيد أبدا، لأنه قول لا يمكن أن يكون وراءه فعل. وذلك ان الدين بذر جيد … فإذا صادف مغرسا طيبا نبت ونما، وإذا صادف أرضا قاحلة مات وفات… وما هي أرض الدين؟ أرض الدين هي تلك الأمة التي أعمى الاستبداد بصرها وبصيرتها وافسد اخلاقها ودينها…. وقد علمنا هذا الدهر الطويل، مع الأسف ، أن أكثر الناس لا يحفلون بالدين إلا إذا وافق أغراضهم. بناء عليه، ما أجدر بالأمم المنحطة ان تلتمس دوراءها عن طريق إحياء العلم وإحياء الهمة ” (2).
واعتبر الكواكبي ان الاستبداد يفسد الدين، وهذا ما شهده المسلمون ” منذ قرون إلى الآن من استعانة مستبديهم بالدين… وهؤلاء المهيمنون على الأديان كم يرهبون الناس من غضب الله… وان السياسيين يبنون كذلك استبدادهم على اساس من هذا القبيل، فهم يسترهبون الناس بالتعالي… ويذلونهم بالقهر والقوة”، فيجد العوام ” معبودهم وجبارهم مشتركين في كثير من الحالات والأسماء والصفات… وبناء عليه يعظمون الجبابرة تعظيمهم الله “، وبذلك تصبح بين الاستبدادين السياسي والديني” مقارنة لا تنفك “، ويكون” قصر المستبد ” هو” هيكل الخوف عينه ” كما يكون” الملك الجبار هو المعبود” ((3).
وعندما يقترن الاستبدادان الديني والسياسي يفسد العلم وتفسد التربية، فيستخلص الكواكبي ان ” الاستبداد والعلم ضدان متغلبان، فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم… والغالب ان رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكلون بهم، فالسعيد منهم من يتمكن من مهاجرة دياره… وأكثر العلماء الأعلام والادباء النبلاء تقلبوا في البلاد وماتوا غرباء … أما المستبدون الشرقيون فأفئدتهم … ترتجف من صولة العلم ” (4).
المصدر :
عبد الرحمن الكواكبي ، الأعمال الكاملة لعبد الرحمن الكواكبي تحقيق ودراسة محمد عمارة ، ( بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ١٩٧٥،)
(1) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ص ١٢.
(2) المصدر نفسه، ص١٨٧.
(3) المصدر نفسه، ١٤٣.
(4) المصدر نفسه، ص ١٥٦
2026 /09 /30