محنة العقل في كاريكاتير الدواعش
سعود قبيلات(*)
الذين هبّوا هبَّة رجل واحد خلال اليومين الماضيين، هل يعرفون على ماذا هبّوا؟
هل رأوا الرسم الكاريكاتيريّ الذي «شيَّره» ناهض حتَّر وأثار حفيظتهم؟
إذا كانوا قد رأوه، فهل ينكرون أنَّ هذا هو فعلاً مفهوم «الدواعش» (وهم أوسع بكثير مِنْ جماعة البغداديّ) للدين وللعلاقة مع ربّ العباد؟ فلماذا، إذاً، رأوا الإساءة في الكاريكاتير ولم يروها في التصوّرات «الداعشيَّة» الحقيقيّة التي وردتْ فيه؟
وهنا، نذكِّر بأنَّ ناقل الكفر ليس بكافر. أليس كذلك؟
وبناء عليه، فهل كان تنافحهم المحموم، هذا، دفاعاً عن الذات الإلهيَّة التي يُفترض أنَّها لا تحتاج إلى مَنْ يدافع عنها وينصِّب نفسه وصيّاً عليها (وهذا – بالطبع – عدا عن أنَّ ربَّ العباد «غفورٌ رحيم»، ولا يحتاج إلى «صكوك غفران» مِنْ أحد)؟
أم أنَّه دفاعٌ عن «الدواعش» بكلّ ألوان طيفهم وبكلّ تشكيلاتهم وتفريخاتهم، وهم مَنْ مسّ (ويمسّ)، فعلاً، بالذات الإلهيّة وبالدين عموماً وبسمعة العرب والمسلمين جميعاً، وليس الكاريكاتير (ومَنْ شيَّره)، والذي بالمناسبة شيَّرته أيضاً جريدة «السبيل» نفسها بغرض التشهير بمَنْ شيَّره قبلها!
ثمَّ ماذا عن الذين استغلّوا هذه الحادثة العارضة لأغراض سياسيَّة أنانيَّة (أو شخصيَّة أحياناً)، ولكنَّهم لم يتكلّموا في السياسة أو في الفكر، لأنَّه لا حجّة مقنعة لديهم في هذا المجال؛ ولذلك، لوَّثوا الفضاء الإلكترونيّ بالشتائم المنحطّة وبالأدعية المبتذلة وبالتحريض الطائفيّ والمذهبيّ غير المسؤول، فكشفوا عن مدى استلابهم للغرائز البهيميَّة الوحشيَّة وعدم شعورهم بأيّ مسؤوليَّة وطنيّة أو قوميّة.. أو حتَّى دينيّة؟
ما الذي يريده هؤلاء؟ هل يريدون للناس أنْ يحفروا خنادق متقابلة ويواجهوا بعضهم بعضاً.. كما يحدث في الكثير مِنْ دول المنطقة؟ ولصالح مَنْ؟!
إنَّ هذا الهياج الخطير المصطنع يكشف، مجدّداً، ضرورة منع توظيف الدين لأغراض سياسيَّة. وذلك حفاظاً على تماسك المجتمع، ومنعاً للإساءة للدين واستغلاله بصورةٍ بشعة. لأنَّ أكبر إساءة للدين هي أنْ يوظّفه أحد (أو جهة) لخدمة أغراضه السياسيّة. الأمر الذي يقود، بالضرورة، إلى توهّم هذا الشخص (أو الجهة) بأنّه أصبح وصيّاً على الدين، وأنَّ الدين له وحده، وأنَّ تفسيره الخاصّ للدين هو الدين كلّه.. وما عدا ذلك هو بِدَعٌ وكفر. ما يعني أنَّه يزعم – ضمناً على الأقلّ – بأنَّه يتلقَّى الوحيَ مباشرةً مِنْ ربّ العباد! ولذلك، فإنَّ أكبر احترام للدين إنَّما هو بتنزيهه عن السياسة وليس بالانحدار به إليها.
المسألة الأكثر مدعاة للأسف هي أنَّ هذه الحادثة كشفت أنَّ عدد الناس الذين انتكسوا إلى مستوى الدهماء أصبح يفوق كلَّ تصوّرٍ أو تقدير
عن ميسلون
عمان 2016.08.17
