تـ.ـصـ.ـفـ.ـيـ.ـة القادة: سـ.ـلـ.ـيـ.ـمـ.ـانـ.ـي و الـ.ـمـ.ـهـ.ـنـ.ـدس
الجزء الثاني عشر:
(١)
”عملية البرق الأزرق” الإغـ.ـتـ.ـيـ.ـا.ل الجبان والوضيع التي نفذها الإحـ.ـتـ.ـلا.ل الغاشم في 3 يناير 2020 قرب مطار بغداد الدولي. كشف الباغي الأهوج تـ.ـر.امـ.ـب ومسؤولو الـ.ـبـ.ـنـ.ـتـ.ـا.غـ.ـو.ن عن تفاصيل دقيقة وكواليس أمنية معقدة لهذه الفعلة النكراء:
وصل الحاج قاسم سـ.ـلـ.ـيـ.ـمـ.ـا.نـ.ـي إلى مطار دمشق الدولي بسيارة ذات زجاج داكن، مستقلاً طائرة ركاب عادية لشركة “أجنحة الشام” متجهة إلى بغداد. لم يُدرج اسمه في قائمة الركاب لكن شبكة من المخبرين السوريين بلغوا عن صعوده مع مرافقيه إلى الطائرة، وتأكدت وكالة الـ.ـمـ.ـخـ.ـا.بـ.ـر.ا.ت المركزية (C.I.A) من ذلك فور إغلاق الأبواب.
في مطار بغداد، كان هناك فريق اسـ.ـتـ.ـخـ.ـبـ.ـا.ر.ي أمريكي متخفٍ بزي عمال صيانة وموظفي مطار، يتولون عملية الرصد البصري المباشر وتأكيد الهويات فور الهبوط.
قبل ذلك بساعات، كانت ثلاث طائرات مـ.ـسـ.ـيـ.ـر.ة أمريكية متطورة من نوع (MQ-9 Reaper) تحلق في سماء بغداد على ارتفاعات شاهقة غير مسموعة. كانت الطائرات مـ.ـسـ.ـلـ.ـحـ.ـة بـ.ـصـ.ـو.ا.ر.يـ.ـخ “هيلفاير” (Hellfire R9X) الموجهة بالليزر.
لم يكن التحكم بالطائرات يجري من العراق، بل من قِبل مشغلين في قاعدة عـ.ـسـ.ـكـ.ـر.يـ.ـة بولاية نيفادا الأمريكية، كانت غرف العمليات في الـ.ـبـ.ـنـ.ـتـ.ـا.غـ.ـو.ن والبيت الأبيض ترتبط ببث حي مباشر ومستمر للكاميرات الحرارية لـ.ـلـ.ـمـ.ـسـ.ـيـ.ـر.ا.ت.
في الساعة 12:32 بعد منتصف الليل هبطت طائرة “أجنحة الشام” في مطار بغداد. كان نائب رئيس هيئة الـ.ـحـ.ـشـ.ـد الشعبي أبو مهدي الـ.ـمـ.ـهـ.ـنـ.ـد.س في استقبال ضيفه عند سلم الطائرة. كانت هناك سيارتان: الأولى (Hyundai Starex) صعد فيها الطاقم المرافق، والثانية (Toyota Avalon) صعدها قاسم سـ.ـلـ.ـيـ.ـمـ.ـا.نـ.ـي وأبو مهدي الـ.ـمـ.ـهـ.ـنـ.ـد.س. انطلق الموكب من مدرج المطار وسلك المخرج الرئيسي المؤدي إلى الطريق السريع.
كان تـ.ـر.امـ.ـب يتابع البث المباشر من منتجعه بفلوريدا، مع كبار مستشاريه الأمنيين. قال تـ.ـر.امـ.ـب بتبجح إنهم كانوا يقرؤون له تفاصيل الحركة بالثواني: “سيدي، إنهما في السيارة معاً… تبقى لهما دقيقتان”.
في الساعة 12:47 صباحاً، وتحديداً عند اقتراب الموكب من نقطة التفتيش الخارجية للمطار، أطلقت الـ.ـمـ.ـسـ.ـيـ.ـر.ة الأمريكية الـ.ـصـ.ـا.ر.و.خ الأول الذي اسـ.ـتـ.ـهـ.ـد.ف سيارة سـ.ـلـ.ـيـ.ـمـ.ـا.نـ.ـي والـ.ـمـ.ـهـ.ـنـ.ـد.س. حاولت السيارة الثانية زيادة السرعة لكن الـ.ـمـ.ـسـ.ـيـ.ـر.ة أطلقت صـ.ـا.ر.و.خـ.ـاً ثانياً وثالثاً عليها، مما أدى إلى اسـ.ـتـ.ـشـ.ـهـ.ـا.د.هـ.ـم جميعاً (5 عراقيين و5 إيرانيين).
كان الـ.ـقـ.ـصـ.ـف عنيفاً ومباشراً ولم يتبقَ من السيارات سوى حطام معدني متناثر. هرع المسعفون وقوات الأمن العراقية للموقع في الدقائق الأولى وتعرفوا على خاتم الحاج سـ.ـلـ.ـيـ.ـمـ.ـا.نـ.ـي “العقيق الأحمر” الذي كان يرتديه في يده اليسرى، وعلى أبو مهدي الـ.ـمـ.ـهـ.ـنـ.ـد.س لاحقاً من خلال فحص الحمض النووي (DNA) بسبب تلاحم الجـ.ـثـ.ـا.مـ.ـيـ.ـن الطاهرة جراء الضـ.ـر.بـ.ـا.ت المتتالية.
حقق جهاز الأمن الوطني العراقي مع جميع موظفي شركة الطيران في مطار بغداد. بعد النتائج الرسمية والقانونية التي أثيرت علناً، اتهمت لجان التحقيق العراقية وتقارير الـ.ـحـ.ـشـ.ـد الشعبي عناصر من شركة “G4S” البريطانية الأمنية التي كانت المسؤولة عن أمن مطار بغداد الدولي آنذاك. أشارت التحقيقات إلى أن موظفي الشركة تواجدوا في موقع قريب جداً من مدرج الهبوط، وتابعوا تحركات القادة ومسار خروجهما من البوابة الزرقاء للمطار، وهو ما أتاح لـ.ـلـ.ـمـ.ـسـ.ـيـ.ـر.ا.ت الأمريكية تحديد الأهداف وتنفيذ جـ.ـر.يـ.ـمـ.ـتـ.ـهـ.ـم الغادرة.
أصدرت محكمة تحقيق الرصافة في بغداد مذكرة قبض رسمية بحق تـ.ـر.امـ.ـب وفق المادة 406 من قانون العقوبات العراقي مستندةً إلى “الاعترافات العلنية المسجلة” لتـ.ـر.امـ.ـب بتبنيه الشخصي وإعطائه الأمر المباشر لتنفيذ عملية الإ غـ.ـتـ.ـيـ.ـا.ل على أراضٍ عراقية ضد مسؤول حكومي وضيفه الرسمي. كما أُلغيت التعاقدات مع شركة (G4S) لإدارة أمن المطار، واستبدلت بشركات محلية وأجهزة أمنية حكومية، بالإضافة إلى فرض رقابة صارمة على حركة طائرات الشركات الأجنبية ومنع الموظفين من حيازة هواتف ذكية داخل المدارج العسكرية وأرصفة استقبال كبار الشخصيات.
اتهم قيادات الـ.ـحـ.ـشـ.ـد وعوائل الـ.ـشـ.ـهـ.ـد.ا.ء ، الكاظمي وجهازه “بالتقصير والإهمال الجسيم”، بحكم منصبه كرئيس لجهاز الـ.ـمـ.ـخـ.ـا.بـ.ـر.ا.ت الوطني العراقي والمسؤول عن أمن المطار ورفعت ضده دعاوى قضائية في المحاكم العراقية.
أما رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي فقد أدلى بشهادة رسمية مفصلة أمام القضاء العراقي ولجان التحقيق المشتركة، تضمنت الكواليس السياسية والدبلوماسية الدقيقة لليلة الإ غـ.ـتـ.ـيـ.ـا.ل.
أكد عبد المهدي في شهادته أن الحاج قاسم سـ.ـلـ.ـيـ.ـمـ.ـا.نـ.ـي لم يكن في زيارة عـ.ـسـ.ـكـ.ـر.يـ.ـة سرية، بل وصل إلى العراق بناءً على دعوة رسمية منه كرئيساً للوزراء. وكان من المقرر أن يلتقي به في الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم الإ غـ.ـتـ.ـيـ.ـا.ل لتسلم رسالة إيرانية رسمية كانت تمثل رداً على مبادرة عراقية لتهدئة التوترات وتخفيف الصراع بين إيران والمملكة العربية السعودية في المنطقة.
كشف عبد المهدي أن تـ.ـر.امـ.ـب اتصل به هاتفياً قبل الحادثة بأيام قليلة (تحديداً بعد حادثة اقتحام محيط السفارة الأمريكية في بغداد)، وطلب منه الوساطة للتهدئة مع الجانب الإيراني. وبناءً على ذلك، تحركت الحكومة العراقية لترتيب الزيارة، وهو ما اعتبره عبد المهدي في شهادته “عملية خديعة سياسية وا سـ.ـتـ.ـخـ.ـبـ.ـا.ر.يـ.ـة مضاعفة”؛ حيث استغلت واشنطن طلب التهدئة لتنفيذ عملية تـ.ـصـ.ـفـ.ـيـ.ـة جسدية لضيف الدولة.
ذكر عبد المهدي أنه تلقى اتصالاً في تمام الساعة الواحدة فجراً (بعد الانفجار بنحو ربع ساعة) أبلغه فيه المتصل بوقوع ضربة صـ.ـا.ر.و.خـ.ـيـ.ـة اسـ.ـتـ.ـهـ.ـد.فـ.ـت سيارتين خارج المطار. في البداية تم إبلاغه بأن الـ.ـقـ.ـصـ.ـف طال وفداً من الـ.ـحـ.ـشـ.ـد الشعبي، وبعد نحو ساعة تأكدت الهويات رسمياً. وصف عبد المهدي تلك اللحظات بأنها “أخطر خرق أمني وسيادي واجهه العراق”.
تطرقت الشهادة إلى دور الأجهزة الأمنية؛ حيث أشار عبد المهدي إلى أن حركة الطيران الأمريكي الـ.ـمـ.ـسـ.ـيـ.ـر في الأجواء العراقية ليلة الحادثة تمت دون موافقة رسمية من قيادة العمليات المشتركة أو القائد العام.
أودع عادل عبد المهدي في إفادته طلباً قانونياً باعتبار العملية “جـ.ـر.يـ.ـمـ.ـة إغـ.ـتـ.ـيـ.ـا.ل سياسي غادر مع سبق الإصرار”، واعتبرها انتهاكاً صارخاً لـ “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” وشروط تواجد القوات الأمريكية، مما دفعه للذهاب إلى البرلمان بعد يومين وألقى خطاباً وثق فيه “الخديعة الأمريكية”، وقدم توصية رسمية صريحة ومكتوبة إلى البرلمان بضرورة إنهاء تواجد القوات الأجنبية لحفظ سيادة البلاد. بناءً على ذلك صدر عن مجلس النواب القرار النيابي رقم 18، والذي يُعد الوثيقة التشريعية الملزمة للحكومة بإنهاء الوجود الـ.ـعـ.ـسـ.ـكـ.ـر.ي الأجنبي في البلاد.
شهدت الجلسة انقساماً سياسياً واضحاً؛ حيث قاطعت معظم الكتل السياسية الكردية والسنية الجلسة ولم تحضر قاعة التصويت، في حين تم توفير النصاب القانوني الكامل من قبل الكتل الشيعية التي أصرت على تمرير القرار
2026-08-25