قراءة في كتاب ” الحدود” : المعنى الآخر لحرب الخليج ” لمحمد رشيد الفيل!
علي رهيف الربيعي*
( 2 – 4)
ومع ذلك فإن قيام هذه الدول على انقاض الاستعمار المباشر كان المأمول منه أن يفتح الأبواب أمام تقدم عربي متكامل، وتجمع عربي شامل كما تعمل أوروبا حاليا. ولكن العقبات كبيرة وهي عدى التدخل الخارجي، التناقضات بين سكان الصحراء وسكان المدن وبين الرجعيين والتقدميين وبين الدول النفطية الغنية ودول الكثافة السكانية الفقيرة.
” لقد تعود حكام الدول الخليجية ومواطنوها على نمط حياة مترفة تجعلهم يقاومون اي نداء للوحدة العربية . التي يرون انها تعني القبول بمن يشاركهم هذه الثروة”.
وإذا انفجرت أخطر أزمة عربية – عربية بين العراق والكويت عام 1990، فإن جذر المشكلة كان حدوديا، وهذا الجذر الحدودي يهدد علاقات العديد من الدول العربية مع بعضها البعض، أو هددها في بعض الفترات كما حصل بين السعودية وقطر ، وما يحصل بين قطر والبحرين، وبين مصر والسودان حول حلايب، وقضية الصحراء ، وبين مصر وليبيا على واحة كفرة ، وبين ليبيا وتونس على الجرف القاري من المياه الإقليمية ، ومشاكل حدودية أخرى في الجزيرة العربية. فالمشاكل الحدودية قنابل موقوتة لا بد من نزع فتائلها بالعقل والتفاهم والدبلوماسية والاتصالات المباشرة، أن هذه المشاكل الحدودية التي تخفت أو تحتد من فترة لأخرى هي ” تراث قبلي غذته الثورة والثروة النفطية واسهمت في تكريسه الشركات الأجنبية التى دعمها الاحتلال البريطاني الذي فرض على الجزيرة العربية والشريط الساحلي على الخليج العربي وصولا إلى العراق بعد احتلاله أوائل القرن العشرين”. ولو كانت الدول النفطية الخليجية هي وحدها على الاقل دولة موحدة لتمكنت من فرض اسعار النفط بما يتناسب مع اسعار المواد الغذائية والصناعية المستوردة ولجعلت الكميات المستخرجة تتناسب مع خططها الانمائية ، ولكن التنافس على زيادة ضخ النفط يؤدي إلى انخفاض الأسعار وهو ما يؤذي مصالح كل الدول العربية المنتجة للنفط . وتملك دول الخليج العربية نحو 58 ٪ من احتياطي الغاز العالمي . ولكن بريطانيا تعمدت الاحتفاظ بحالة تفكيك المنطقة منذ أن وطأت قدماها هناك واتبعت أساليب غريبة في تخطيط الحدود ، كمصادر الماء أو حركة القبائل أو جباية الزكاة أو الضرائب من بعض ر القبائل . ومعلوم إن حركة القبائل الرعوية تتباين من وقت لآخر حسب كميات الأمطار ، وتوفر العشب ، كما ان ولاء القبائل غير مستقر، ويتغير بصورة مستمرة مع تغير المراعي، فولاء شمال شرق الجزيرة يتغير مع مراعيهم. فقد كان ولأء قبيلة العجمان مثلا ، للسعودية، ولكنه تحول إلى الكويت.
ومعروف كيف ان المبعوث البريطاني برسي كوكس اخذ خارطة لشبه جزيرة العرب ورسم عليها بقلمه الأحمر بلاد شرق الجزيرة ووحدها ، باستهتار صارخ بمصالح إدوارد هيث ، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ، يسخر من هذه الحدود واسلوب ترسيمها قائلا بسخرية :
” هل هي تلك الحدود التي رسمها برسي ام رسمتها انا؟”.
ومن المضحك المبكي انه عندما شعر السير برسي موكس في مؤتمر العقير ( 1923) بانزعاج الملك ابن سعود فإنه توجه إليه قائلا بالحرف الواحد :
” ايها الصديق ، اعرف ما تشعر به تماما، ولهذا السبب فقد اعطيتك ثلثي الأراضي الكويتية “. وبهذا الصدد يقول المقيم البريطاني العام في الكويت، عهد ذاك ، المستر ديكسون :
” أن الحدود الجنوبية للأراضي الكويتية المعترف بها ، قد دفعت إلى وراء مئة وخمسين ميلا ، مما قلص مساحتها إلى ستة آلاف ميل “. وسيظهر لنا ان كافة الخرائط البريطانية عن الحدود العراقية – الكويتية كانت غير مضبوطة. ومحرفة بما ذلك الخارطة البريطانية التي اعتمدت عليها لجنة مجلس الأمن لترسيم الحدود في اعقاب حرب الخليج.
االصراع الدولي على منطقة الخليج قديم، شاركت فيه في آواخر القرن الماضي (19) واوائل قرننا ( 20) كل من بريطانيا والمانيا وروسيا وفرنسا، كل لحسابات وأهداف خاصة بها . ومع مرور الزمن ، اي اكتشاف النفط ، تحولت المنطقة في الوقت الحاضر إلى إحدى اهم ” مناطق السباق والصراع الدولي ، بل ساحة حرب للسيطرة على منابع” النفط”، وتبقى المنطقة ” في عصر الفضاء والحاسب الآلي محتفظة بأهميتها الاستراتيجية العالمية “، ذلك لأنها ملتقى جميع طرق المواصلات إلى أوروبا وآسيا وأستراليا ، واعظم ممون نفطي للدول الصناعية ونقطة الوثوب على أوربا ، واقرب المراكز في المناطق الحيوية لروسيا ومركز طموحاتها القديمة – لقربها من المياه الدافئة ، وايضا ممولا كبيرا من فوائض أمواله. وكان للخليج العربي في السياسة البريطانية الخاصة ، مكانة هامة ” فهو للبريطانيين حلقة مواصلات برية وبحرية إلى الهند ، ومحطة التجارة المربحة ، وقاعدة للأسطول ، ومركز استطلاع ومراقبة لشؤون الشرق الأوسط وحكامه في فارس والعراق والجزيرة العربية” واليوم تمركز الاهتمام الأمريكي، هو الآخر، حول المنطقة بعد أن غدت الولايات المتحدة القوة الأعظم وتحولت بريطانية إلى مجرد حليف ثانوي.
وادركت بريطانيا، الدولة الاستعمارية الأولى عهد ذلك أن وجود النفط شبه أكيد وذلك من خلال الاتفاقيات التي عقدتها مع الشيوخ. وقد طلبت من الشيخ مبارك عدم السماح لأحد أن ينقب عن النفط في الكويت، وان يساعد المبعوث البريطاني لمشاهدة المناطق المعتقد بوجود النفط فيها. وتم تطبيق هذه البنود على جميع الإمارات، ففي 1899 وقعت اتفاقا مع حاكم الكويت جاء فيه إلتزام المذكور بعدم تأجير اي جزء من أرضه أو التنازل لحكومة غير بريطانيا أو الرعايا البريطانيين ، ولا يستقبل اي تمثيل اجنبي دون موافقة بريطانية، ومقابل ذلك يمنح مساعدة مالية ، وهكذا غدا الخليج في بداية القرن العشرين ” بحيرة بريطانية ” ولم يشذ العراق الحديث عند تأسيسه حيث كان النفوذ الإنكليزي قويا فيه . ويعالج الفصل الثاني من كتاب الدكتور الفيل بالتفصيل العلاقات العراقية – الكويتية من خلال بريطانيا والدولة العثمانية ثم العلاقات المباشرة منذ استقلال الكويت عام 1961 ” كانت الكويت حتى الحرب العالمية الأولى قضاء عثمانيا ملحقا بالبصرة، ولقد قبل شيوخها وظيفة قائمقام ، ورفع العلم العثماني على سور مدينة الكويت وعلى السفن الكويتية وعلى قصر الشيوخ. ولقد رفضت بريطانيا في عام 1898 طلب حاكم الكويت الحماية البريطانية “. ولكنها مع اكتشاف النفط فرضت هذه الحماية واصبحت العامل الأساسي المشترك في جميع اتفاقيات الحدود العراقية الكويتية.
يتبع…
2026 /08 /17