العراق الذي يريده ترامب!
محمد السعيد إدريس
الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، لواشنطن، لم تكتسب أهميتها فقط من كونها أول زيارة يقوم بها الزيدي خارج العراق منذ توليه منصبه كرئيس للحكومة بعد اختياره من جانب «الإطار التنسيقي» لهذا المنصب، بل، وهذا هو الأهم، أن هذه الزيارة تجيء في وقت تتأهب فيه معظم دول المنطقة، ومن بينها العراق بالطبع، للتكيف مع التطورات والمستجدات التي ستفرض نفسها بعد توقف الحرب الإيرانية. فالعراق يعيش هاجس سؤال مهم هو: كيف ستؤثر مخرجات هذه الحرب، الإيجابي منها والسلبي، في العلاقات العراقية مع إيران، ومن ثم على العلاقات العراقية مع الطرف الثاني في المعادلة السياسية العراقية المأزومة، أي الولايات المتحدة الأمريكية.
تطورات الأحداث الأخيرة، كشفت عن وجود استعداد قوي لدى الحكومة العراقية، لإجراء مراجعة للمأزق العراقي التاريخي منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وبالتحديد، ثنائية السيطرة والتنافس الإيراني والأمريكي على العراق، باتجاه المزيد من التقارب مع الولايات المتحدة على حساب تحجيم النفوذ الإيراني في العراق، وكشفت في ذات الوقت، عن حرص واهتمام أمريكيين للتفرد بالعراق والتخلص من النفوذ الإيراني. ومن هنا كان الإصرار الأمريكي الشديد والضغوط المتواصلة للقضاء نهائياً، على نفوذ إيران في العراق، عبر المنظمات والفصائل العسكرية المسلحة الموالية لطهران، على نحو ما نصّ عليه البيان الصادر عن مجلس الوزراء العراقي عقب لقاء رئيس الحكومة علي فالح الزيدي مع توم برَّاك، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
زيارة رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، للولايات المتحدة، جاءت عقب تعهدات جادة بإنجاز ملف حصر السلاح بيد الدولة قبل يوم 30 سبتمبر/ أيلول المقبل، وهو موعد انتهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وعقب ضربات حكومية قوية للفساد، واستعادة المليارات من الدولارات التي سبق نهبها عبر شبكات من عصابات الفساد في أجهزة الدولة.
ذهب الزيدي إلى واشنطن وهو يعرف ما يريد، وما يريده كتبه في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، يوم وصوله إلى الولايات المتحدة، حدّد فيه هدفه وهو «الانتقال بالعلاقة مع الولايات المتحدة من إدارة الأزمة إلى صناعة الفرص»، حيث أكد أن «العراق يريد أن يصبح شريكاً اقتصادياً، لا مجرّد ملف أمني في السياسة الأمريكية». ولم يكن أول لقاءاته بالعاصمة الأمريكية مع توم برَّاك المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي بداية محض صدفة، بل كان أقرب إلى جلسة تمهيدية لرسم جدول أعمال المباحثات مع إدارة ترامب، ومناقشة ملف حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء وجود الفصائل المسلحة خارج سيطرة الحكومة، والحد من النفوذ الإيراني، كشروط أمريكية لأي تطوير للعلاقات، إلى جانب مناقشة مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق بعد إنهاء مهام قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر المقبل.
يبدو أن الزيدي أبدى استجابة لهذه الشروط، بدليل الإطراء المفرط الذي استقبل به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الحكومة العراقية الذي يلتقيه للمرة الأولى، ويقدّر اختياره للولايات المتحدة بأن تكون أول دولة يزورها منذ توليه منصبه.
ففي استقبال ترامب للزيدي بالبيت الأبيض، أشاد ترامب برئيس الحكومة العراقية واصفاً إيّاه بأنه «مقاتل عظيم وصديق كبير للولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن العراق يمتلك «ثروة نفطية هائلة»، وأن الحكومة الجديدة حققت «تغييراً كبيراً خلال فترة زمنية قصيرة، خصوصاً في نظرتها للولايات المتحدة»، وقال إن الزيدي «سيصبح أحد أهم قادة الشرق الأوسط». ودعاه إلى تناول الغداء، وهو أمر لم يكن مدرجاً على جدول الزيارة.
وبعد الإطراء انتقل ترامب إلى جوهر مشروعه الذي يريده في العراق بعد إشارته لثروة العراق الهائلة من النفط. فقد حدّد معالم توجه أمريكي «طويل الأمد» مع العراق «يقوم على الاستثمار والطاقة بدلاً من القوات العسكرية»، وأن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لمساندة العراق إذا احتاج إلى الحماية. كما أكد قرب الإعلان عن «شراكات نفطية أمريكية ضخمة» مع العراق، مؤكداً أن شركات الطاقة الأمريكية بدأت تدخل السوق العراقية «بمستويات غير مسبوقة»، وأن الاتفاقات المنتظرة ستكون الأكبر بين البلدين، مشيراً إلى أنها «تمثل جوهر العلاقة الجديدة بين واشنطن وبغداد»، وأن الولايات المتحدة «لم تعد بحاجة إلى وجود عسكري في العراق بعد الآن، فشركات النفط الأمريكية تدخل السوق العراقية، وتقيم شراكات واسعة، وهذه العلاقة لا تتطلب وجوداً عسكرياً».
الأهم من ذلك، أن ترامب كان حريصاً على الربط بين هذا التوجه الأمريكي الجديد في العراق، وبين احتواء واشنطن للنفوذ الإيراني، ما يعني أن نجاح مهمة أمريكا في القضاء على النفوذ الإيراني في العراق، هو الأساس الحقيقي للمشروع الأمريكي الجديد في العراق.
لكن يبقى السؤال: هل سيكون في مقدور ترامب القضاء على النفوذ الإيراني في العراق؟ وهل مخرجات انتهاء الحرب ستحمل مؤشرات لتراجع هذا النفوذ الإيراني وانحسار الدور الإقليمي لطهران؟ أسئلة يصعب على ترامب أن يحسمها في ظل الأجواء المضطربة الآن في المواجهة بين واشنطن وطهران.
2026-07-31