لماذا لم ينجح الشيعة بحكم العراق!
سيد جهاد
أولا: هل يحكم الشيعة العراق فعلا ؟
قبل أن نحمل الشيعة مسؤولية فشل الحكم في العراق علينا أن نطرح السؤال الصحيح هل يحكم الشيعة العراق وحدهم
الحقيقة أن النظام السياسي الذي تأسس بعد عام 2003 لم يكن نظاما شيعيا خالصا بل نظاما سياسيا تشاركيا يقوم على توازنات قومية وطائفية وسياسية معقدة صجيح ان الشيعة يشكلون القوة السياسية الأكبر في البلاد لكنهم لا يحكمون العراق منفردين وإنما يتقاسمون السلطة مع القوى السنية والكردية وغيرها من القوى السياسية العلمانية
فرئاسة الجمهورية من حصة الكرد ورئاسة مجلس النواب من حصة السنة فضلا عن توزيع الوزارات والهيئات والمواقع السيادية والإدارية بين مختلف المكونات
وعليه فإن اختزال الدولة العراقية كلها في القوى الشيعية اختزال سياسي لا يصمد أمام الواقع فالحكومة العراقية ليست حكومة مكون واحد والقرارات السياسية والاقتصادية والأمنية لا تصدر في فراغ بل تتأثر بتوازنات البرلمان والتحالفات الحزبية والمصالح الاقتصادية والضغوط الإقليمية والدولية
إن من يريد تقييم تجربة الحكم في العراق عليه أن يحاسب جميع القوى المشاركة فيه لا أن يضع مسؤولية بلد كامل على مكون اجتماعي واحد
ثانيا هل كان العراق دولة مستقلة القرار بعد 2003
من الحقائق التي يجري تجاهلها عند الحديث عن فشل التجربة العراقية أن العراق بعد عام 2003 لم يبدأ حياته السياسية في ظروف طبيعية
فقد سقط النظام السابق في ظل غزو واحتلال أمريكي واستمر الوجود العسكري الأمريكي المباشر حتى نهاية عام 2011 وخلال هذه السنوات كانت السيادة العراقية منقوصة وكانت القرارات الأمنية والسياسية الكبرى تتحرك ضمن واقع الاحتلال ومؤسساته وضغوطه
لقد كان العراق في تلك المرحلة بلدا مدمرا مؤسسيا واقتصاديا وأمنيا خرج من عقود من الحروب والحصار والاستبداد ثم وجد نفسه أمام مهمة بناء دولة جديدة وسط فراغ أمني وانهيار مؤسساتي وصراع دولي وإقليمي
إن تقييم أي تجربة سياسية يقتضي النظر إلى نقطة البداية لا إلى النتائج وحدها
ثالثا: الهجمة الإرهابية التي استهدفت الدولة والمجتمع
لم يكن العراق بعد 2003 ساحة خلاف سياسي سلمي بل تحول إلى واحدة من أكثر ساحات العنف الدموي في العالم
فقد تعرضت الدولة العراقية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية وبنيتها التحتية والأسواق والمساجد والحسينيات والمراقد الدينية إلى هجمات إرهابية واسعة النطاق نفذتها تنظيمات سنية ارهابية مسلحة كان من أبرزها فلول البعث الصدامي المجرم وتنظيم القاعدة في العراق ثم تنظيم داعش لاحقا
ولم يكن الهدف من هذه الهجمات إسقاط حكومة بعينها فقط بل كان الهدف الأوسع إفشال الدولة الجديدة واعادة السيطرة عليها من قبل طائفة معينة اوإشعال الحرب الطائفي وتحويل العراق إلى ساحة صراع دائم وافشال اي حكومة لا يكون فيها السنة هم الحاكمين الفعلين
وهناك تقديرات عن حدوث ما يقارب ٥٠ الف هجوم ارهابي بسيارة مفخخة وعبوات ناسفة وصواريخ وهجمات ارهابية متنوعة منها ما لا يقل عن ٥ الاف هجوم ارهابي انتحاري نفذها متطرفون سنة غالبيتهم من السعوديين والعرب
حيث اشارت دراسة منشورة في مجلة لانسيت الطبية إلى أن التفجيرات الانتحارية في العراق خلال الفترة 2003–2010 خلفت خسائر بشرية هائلة بين المدنيين. كما قدرت دراسة لمشروع تكاليف الحرب في جامعة براون أن عدد المدنيين الذين قتلوا بسبب عنف الحرب في العراق منذ 2003 وحتى 2013 بلغ بالحد الأدنى نحو 134 ألف مدني مع التأكيد أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بسبب الوفيات غير المسجلة
لقد كانت الدولة العراقية تبني جيشا وشرطة ومؤسسات أمنية في الوقت الذي كانت فيه هذه المؤسسات نفسها هدفا للاغتيال والتفجير والتفخيخ وكان المواطن العراقي يخرج إلى عمله أو الى السوق أو المسجد وهو لا يعلم إن كان سيعود إلى بيته ام لا
فكيف يمكن تجاهل كل ذلك عند تقييم أداء الدولة
رابعا: الحرب الطائفية لم تكن مجرد أزمة حكم
في عام 2006 أدى تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء إلى إشعال موجة واسعة من العنف الطائفي وأصبح العراق أمام واحدة من أخطر مراحل تاريخه الحديث
وقد شهدت بغداد وحدها خلال الأشهر الأولى من ذلك العام آلاف القتلى نتيجة العنف الطائفي بحسب تقارير صحفية ودراسات تناولت تلك المرحلة
كانت السيارات المفخخة تستهدف الأسواق والمناطق الشيعية وكانت الهجمات الانتحارية تضرب التجمعات الدينية بينما شهدت البلاد أيضا جرائم قتل على الهوية وعمليات انتقام متبادلة
وفي مثل هذه الظروف لا يمكن التعامل مع الدولة العراقية باعتبارها حكومة تعمل في بيئة مستقرة ثم فشلت في إدارة شؤونها لقد كانت الدولة تقاتل من أجل بقائها وكان المجتمع نفسه يتعرض لمحاولة تفكيك على أساس الهوية الطائفية
إن تحميل القوى الشيعية وحدها نتائج هذه الحرب يتجاهل أن الإرهاب الذي استهدف الدولة والمواطنين كان مشروعا منظما لإفشال النظام الجديد وإعادة العراق إلى الدكتاتورية او الفوضى
خامسا: الإعلام العربي والمحلي ودوره في تشويه التجربة
لم تقتصر المعركة على السلاح والتفجيرات بل امتدت إلى الإعلام
فقد تعرض العراق بعد 2003 إلى حملة إعلامية واسعة صورت التجربة السياسية الجديدة باعتبارها مشروعا طائفيا شيعيا واختزلت كل مؤسسات الدولة في القوى الشيعية وحملت هذا المكون وحده مسؤولية كل أزمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية
وقد ساهمت وسائل إعلام عربية وإقليمية ومحلية في ترسيخ خطاب طائفي حاد خصوصا خلال سنوات الحرب الطائفية حين كانت الأخبار والتغطيات الإعلامية تتحول إلى أدوات للتحريض السياسي والمذهبي
وكانت الصورة التي يجري تقديمها للعالم العربي هي أن العراق قد انتقل من دولة يحكمها نظام سني إلى دولة يحكمها الشيعة الكفار عملاء ايران مع تجاهل حقيقة أن النظام السياسي الجديد يقوم على تقاسم السلطة بين قوى شيعية وسنية وكردية
نعم لقد واجهت هذه التجربة أخطاء داخلية حقيقية لكنها واجهت أيضا هجمة أمنية وإعلامية وسياسية واسعة هدفت إلى إفشالها
والإنصاف يقتضي أن نحاسب من أخطأ وأن نكشف من استهدف الدولة ومؤسساتها وأن نرفض في الوقت نفسه اختزال العراق في طائفة أو اختزال الفشل السياسي في مكون اجتماعي واحد
فالعراق ليس ملكا للشيعة كما أن فشله ليس مسؤولية الشيعة وحدهم
2026-09-15