اتّفاق أم إملاء؟!
إدلى الوزير السابق الاستاذ بشارة مرهج بالتصريح التالي باسم تجمع اللجان والروابط الشعببة :
بعد الاطلاع على بنود الاتفاق الثلاثي بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني، وما رافقه من مناورات وملابسات، وما ينطوي عليه من عبارات غامضة تصبّ في مصلحة الاحتلال، وبنود سرية، هي حتمًا ليست لصالح لبنان وإلّا لَكُشف النقاب عنها، لا بد من إبداء الأسف والاستهجان لأن المفاوض اللبناني خالف النهج الذي ذهب فيه وتخلّى عن التوجيهات الرئاسية المعلنة بالنسبة لأولوية المطالب اللبنانية والتشديد عليها، فتمكّن الطرفان الأميركي والإسرائيلي من خداعه وإلزامه بالتوقيع على اتفاق يمسّ بحقوق لبنان كما بسيادته واستقلاله وكرامته، ويمسّ جوهريًا بدماء الشهداء وتضحيات الأهالي التي ارتقت إلى مستوى ما تكبّدته غزة الجريحة في حرب الإبادة التي تعرّضت، ولا تزال تتعرض لها، من قِبل القوات الأميركية الإسرائيلية.
يحمل البيان بوضوح روح التشفّي والانتقام، ويحوّل لبنان إلى مُعتدٍ يتوجّب عليه اتخاذ كل الإجراءات التي تكفل حماية العدو المحتل، كما يحوّل “إسرائيل” إلى ضحية تستأهل كل العناية وكل التدابير التي تؤمّن لها دوام احتلالها واعتداءاتها على لبنان واللبنانيين.
وتتضح هذه الصورة المطروحة من خلال الإشارة إلى النقاط الآتية التي تفضح جوهر البيان- الاتفاق، والنوايا المبيّتة من قِبَل الطرفين المقابلين، واحتمالات تحوّله إلى أداة تفجيرية باتجاه تكرار الحرب التي يريد نتنياهو وأركانه استمرارها على طريق “إسرائيل الكبرى” التي أصبحت أمرًا معلنًا دون مواربة:
- لا يتضمن البيان- الاتفاق أية جدولة زمنية للانسحاب الإسرائيلي، بل هو يضمن لإسرائيل بقاءها في الأراضي اللبنانية المحتلة حتى تحقيق عملية سحب سلاح حزب الله وتدمير بنيته التحتية، وكلاهما هدفان تستطيع تل أبيب أن تنكر إنجازهما إلى ما لا نهاية مهما كانت الإجراءات التي تقوم بها الحكومة اللبنانية.
- لا يحمّل البيان- الاتفاق “إسرائيل” أية مسؤولية أو أي عبء، ويعتبرها بريئة من كل عيب، في حين أنها مصدر كل المتاعب وسبب عدم الاستقرار في المنطقة والإقليم نظرًا لعقيدتها التوسعية الاستيطانية واستخدامها أسلوب العدوان المستمر لتحقيق أغراضها الشريرة التي تستبيح أرض الغير وتبرر لنفسها اتّباع أسلوب الإبادة الجماعية والتهجير.
- يعتمد البيان- الاتفاق على السطوة الأميركية الإسرائيلية لفرض الإملاءات على لبنان، وإن كانت هذه الإملاءات لا تركب على قوس قزح كحالة الانسحاب المفترضة من منطقتين “نموذجيتين” من لبنان لا وجود للاحتلال فيهما.
- يضع البيان- الاتفاق المسؤولية على لبنان في حال حدوث حالة عدم استقرار، أي أنه يعتبر لبنان في موقع المسؤول عن كل خرق للاتفاق، في حين أنه يبرّئ “إسرائيل” سلفًا.
- يعتبر البيان- الاتفاق سلاح المقاومة في خانة الإرهاب، في حين أنّ هذا السلاح لم يُشهَر إلّا بعد الاعتداءات الصهيونية الوحشية المتكررة على لبنان. ولا يأتي البيان على ذكر المليشيات الإسرائيلية وتجمّعات المستوطنين الذين يدنّسون الأماكن الدينية، وفي مقدمها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ويعتدون يوميًا على الشعب الفلسطيني، ويطلقون التهديدات ضد لبنان، ويتهيّؤون لإقامة المستوطنات على أرضه.
- يفتقر البيان- الاتفاق إلى أي إطار دولي رسمي، إذ هو ينكر على الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو مجموعة دول يوافق عليها مجلس الأمن لرعاية ومتابعة الاتفاق المفترَض، ويمنح واشنطن ولاية حصرية حول الموضوع بشخص الرئيس دونالد ترامب المعروف بارتباكه ونزعته لتغيير المواقف، ناهيك عن حالته السياسية المتراجعة التي إذا ما استمرت وضعت الاتفاق في مهب الرياح.
- يهدف البيان- الاتفاق إلى رؤية لبنان منقسمًا على نفسه، غارقًا في حروب داخلية، حيث لا يلحظ للحكومة اللبنانية أية مكاسب مما يضعها في عالم الغيب ومرهونةً بشروط يصعب تحقيقها. فيما يمنح الاتفاق الكيان الصهيوني مكاسب لم يكن يحلم بها، خاصة فيما يتعلق بـ “المنطقة العازلة” والنقاط المحتلّة وغيرها من المكاسب التي ينضح بها هذا الاتفاق.
- يذيع البيان- الاتفاق مقولة كاذبة وافقت عليها الأطراف، مفادها أن “إسرائيل” لا مطامع إقليمية لها في لبنان، في حين أنها تنتهك سيادة لبنان وأرضه يوميًا بمشاريع المناطق العازلة والنقاط الحاكمة واحتلال أراضيه منذ سنوات في مزارع شبعا وقرية الغجر وسواهما.
- يصوّر البيان- الاتفاق، ويُوحي في سطوره، بأن الكيان الصهيوني العنصري، التي تحتل قواته المسلحة فلسطين ومناطق في دول عربية عدة، بحاجة إلى ضمانات، مستخدمًا هذا الطرح لإحراز مكاسب لا يستحقها. في حين أن لبنان هو الذي يستحق الضمانات كونه البلد المُعتدى عليه بصورة مستمرة منذ عام 1948 حتى الوقت الحاضر، بدليل سياسة الإبادة والأرض المحروقة التي تتبعها “إسرائيل”، وبدليل تكبّد لبنان خسائر هائلة في الأرواح والعمران. علمًا بأن لبنان لم يتحدث يومًا عن دولة “لبنان كبرى” بينما قادة “إسرائيل”، من هرتزل إلى بن غوريون إلى غولدا مائير إلى بنجامين نتنياهو، يتحدثون عن “إسرائيل الكبرى” جهارًا نهارًا، مما يتسبب بإشاعة الاضطراب وعدم الاستقرار بشكل دائم في منطقة أبدت رغبتها بالسلام وقدّمت مشاريع جماعية للسلام بحسب قرارات الأمم المتحدة لكنّ “إسرائيل” رفضتها قبل إذاعتها على الملأ.
- رغم إعلان البيان- الاتفاق من واشنطن، لا زالت “إسرائيل” بطائراتها الحربية ودباباتها تقصف الأراضي اللبنانية، وكأنّ الاتفاق قد وُضِعَ لتقييد لبنان وتحرير “إسرائيل” من أي قيد، مما يشحن الأجواء ويتسبب في نشوء معارضة حتمية لهذا الإملاء.
- يجرّد البيان- الاتفاق لبنان من حقّه في إبداء الرأي حول قضايا العدوان والممارسات العنصرية في المحافل السياسية والدولية، فيجعله أخرسًا ساكتًا على الإساءات التي تُوجَّه إليه أو متواطئًا مع هذا العدوان، مما يلطّخ سمعته وينتقص من مكانته الدولية، وهو المعروف بوجوده الحضاري والدبلوماسي في المؤتمرات والمؤسسات الدولية والإقليمية.
- إذا كانت “إسرائيل” تعتبر نفسها على علاقة طيبة بلبنان، فلماذا تدمّر المنازل ومؤسسات الدولة والمدارس والمستشفيات، معتبرةً أن كل معالم العمران والحضارة في لبنان هي من صنع حزب الله؟ في حين أنها تعلم، مع العالم كله، أن لبنان كان بلدًا موجودًا ومتقدمًا وسبق له أن شارك في تأسيس الأمم المتحدة وصياغة شرعتها لحقوق الإنسان قبل أن تُنشئ هذه الأمم الكيان الصهيوني عام 1947.
- على أن أخطر ما في هذا البيان- الاتفاق، الذي ينظر إلى لبنان نظرة هامشية، أنه يدفعه دفعًا للانقسام على ذاته ما لم تتدارك ذلك القيادات الحكيمة، كما أنه يدفعه إلى معاداة دولة إقليمية لا مصلحة له في استعدائها- دولة إيران- التي يصرّ الرئيس ترامب نفسه على مصالحتها فضلًا عن دول الاتحاد الأوروبي وغيرهم.
- ثمّ ماذا عن البند السري؟ ولماذا الخوف من الإعلان عنه؟ إلّا إذا كان لبنان يخجل به!
- إن البيان- الاتفاق يتجاهل الحقيقة الكبرى التي تقف وراء الاضطرابات والحروب في المنطقة والتي تكمن في الاحتلال الصهيوني لفلسطين وأراضٍ عربية، ويجعل من مقاومة هذا الاحتلال لبّ المشكلة، في حين أنه ناتجٌ عنه. كما يتجاهل حق الشعوب في مقاومته، مع أن هذه المقاومة، التي سبق لواشنطن أن شرّعتها في أفغانستان وسواها من الدول، هي حق مشروع أقرّته الشرائع الإنسانية والقوانين الدولية ودول العالم قاطبةً.
- هذا البيان- الاتفاق المطروح، كما يتبين من خلال النص، يشرّع الاحتلال ويديمه ويبرّئه ويمنع الأهالي من العودة إلى بيوتهم وحقولهم وملاعب أطفالهم. لا بل إنه لا يتحدث عن الأسرى والمخطوفين وجثامين الشهداء، إنما يتحدث عن “محتجزين”، معتمدًا لغة يستطيع التلاعب بها كيفما اتُّفق.
خلاصة القول، إنّ هذا البيان- الاتفاق، المُقترَح على الحكومة اللبنانية وعلى المجلس النيابي، يمنح الكيان الصهيوني اليد العليا في حرية الحركة على الأرض اللبنانية، كما يمنحه حرية التدخل في شؤون مؤسساته وشؤونه الداخلية، بينما يحرم لبنان من أبسط حقوقه في السيادة على أرضه وأجوائه ومؤسساته.
إننا إذ ندعو رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية والمجلس النيابي إلى رفض هذا الاتفاق بصيغته الحالية، نناشد كل القوى اللبنانية المؤمنة بالديمقراطية معارضة هذا المشروع بكل الوسائل السلمية المشروعة، ونبذ كل مشاريع الفتنة والانقسام، والتوحّد حول حق لبنان في الحرية والاستقلال.
29/6/2026