الثورة تحفظ المجتمعات وتديمها!
جمال الطاهات
الثورة دليل على استقلال وجود المجتمعات عن النظام السياسي
يتم تناقل الكثير من المواقف والإشارات بأن المستبد الفاسد وعائلته يرون أنفسهم هم الدولة، ويصرون على ترويج مقولة أن الشعب الأردني مجرد أداة أو وسيلة لهم. وينسب لعمة الملك قولها لجمع غفير من الأردنيين (أنتو عايشين من خيرنا)، كما ينسب لبنت عم الملك والتي تدير الجمعية العلمية الملكية، وتنهب كل عوائدها، تكرار قولها بأنها تدفع رواتب الموظفين من حسابها الشخصي، وتقول لأي موظف لا يعجبها موقفه “أنه وأولاده وأهله يعيشون من خيرها”.
إن ما يعيد الموازين إلى نصابها الصحيح هو ثورة تحرر الأردنيين من هذا التعسف والسفاهة. فالميزة الأساسية للثورة أنها دليل الاثبات على أن الشعب هو السيد وهو الذي ينتج نظامه السياسي، وليس العكس. والأهم أن الشعب عنصر دائم ومتجدد، والنظام السياسي متغير. فالثورة مقياس ودليل على ديمومة الكيان الاجتماعي وفكرته وهويته، ودليل على استمراره، بالرغم من تغيير نظامه السياسي. ومشروع الثورة، منذ انطلاقته، قائم على تكريس وعي الشعب لنفسه كحقيقة سياسية مستقلة عن نظام الحكم.
الثورات مقياس لقدرة المجتمعات على الديمومة
كرين برنتون، ألّف كتاب تشريح الثورات، وتُرجم للعربية بعنوان: “الثورة، عناصرها تحليلها نتائجها”. أراد الكاتب، حسب العنوان باللغة الإنجليزية، أن يقدم تعريفاً للثورة من خلال تشريحها كحالة متعالية لها وجود مستقل عن كونها تحول لعلاقة المجتمع مع نظامه السياسي ضمن مسار ديمومة المجتمع. حيث أكد استعراضه للعديد من التجارب التاريخية أن الثورات تجعل المجتمعات التي تغير نظامها السياسي بالقوة، أكثر تماسكاً واستقراراً وأكثر قدرة على الديمومة بالرغم من التهديدات الخارجية، ومخاطر التفسخ الداخلي.
فخلاف لكل المخاوف التي ينشرها المستبدون ويسعون لتحقيقها بعنفهم واستبدادهم، الثورة تحمي وتحصن المنظومة الاجتماعية التي تحصل داخلها، وتمنحها الفرصة للاستمرار والتقدم والازدهار، بشكل مستقل عن نظامها السياسي. وتظهر الثورات عقم وتفاهة الشعارات التي مفادها بأن النظم السياسية أبدية، ولا وجود للمجتمع إلا من خلال وجودها.
الثورة الأمريكية انتجت الهوية الأمريكية، والثورة الفرنسية انتجت وحدة الشعب الفرنسي وقوته وتماسكه، وحمت فرنسا من التهديد الخارجي، وحولتها لرافعة تاريخية أعادت صياغة التاريخ الحديث لأوروبا. والثورة الجزائرية، حولت الجزائر لحقيقة تاريخية لا يمكن شطبها وتحويلها إلى جزء من فرنسا. والثورة البلشفية نقلت روسيا من العصور الوسطى إلى دولة متقدمة تتسابق للوصول للقمر. والثورة الصينية أنهت قرن من الذل والنهب والمهانة، وحمت المجتمع من التفسخ والتقسيم. والثورة التركية حافظت على ديمومة الحقيقة التركية بغض النظر عن نظامها السياسي، كما عزز الشعب الإيراني وحدة كل مكوناته، وتزايدت قدراته في التصدي للمخاطر الخارجية كما تبدت في الأشهر الأخيرة. ويمكن تخيل ماذا سيكون واقع الشعب الفلسطيني لولا جورج حبش ورفاقه الذين أعلنوا ثورة الشعب الفلسطيني على حصاد النكبة منذ خمسينيات القرن الماضي.
الحركة الثورية تحقق استقلال المجتمعات عن الحكم بمجرد وجودها
ما أن تولد الحركة الثورية حتى تمنح المجتمعات فرصة لوعي الذات بشكل مستقل، كحقيقة سياسية لها ديمومتها ووجودها وسمو فكرتها، عن أي نظام الحكم. وهذا ما تجلى ويتجلى في تجارب الكثير من الشعوب. فوجود الحركة الثورية كان بحد ذاته انتصاراً للشعب على جلاديه، ووعي الشعب لنفسه بشكل مستقل عن نظامه السياسي، والأهم بدء تشكل فكرة العزة الوطنية بعيداً عن الحكم.
فالحركة الثورية تنطلق من فكرة بسيطة ومباشرة وهو وجود المجتمع كحقيقة تاريخية مستقلة عن نظام الحكم. وتكتسب هذه الفكرة زخمها الذاتي واستدامتها من استجابة الأنظمة المستبدة الفاسدة لها. المستبد الفاسد دائماً، يرفض فكرة استقلال الشعب عن الحكم، ويصر على أن الشعب ليس له وجود سياسي موضوعي إلا تحت حكمه. ويعبر عن هذا الرفض إما بالتجاهل أو محاولة معاندة هذه الفكرة والسعي لتحطيمها. وهنا تبرز أهم مفارقات التاريخ، إذ تبدأ الحركة الثورية بتغذية مشروعها من تجاهل الحكم الاستبدادي لفكرة استقلال الشعب عنه، او محاولته الاشتباك وقمع هذه الفكرة. بمقدار ما يعاند المستبد الفاسد الفكرة الوطنية واستقلالها عن نظام الحكم، ويحاول تفكيكها بالقمع والتجاهل، بمقدار ما تكتسب الحركة الثورية زخمها وعنفوانها.
الحكم الاستبدادي لا يستطيع أن يبقى منسجماً مع نفسه في حال اعترف بالوجود المستقل للشعب وفكرته الوطنية عن نفسه، ولكنه حين يتجاهل هذه الفكرة أو يعاندها يمنح الحركة الثورية الوقود والزخم المستقل. لهذا في كثير من التقييمات الاستراتيجية يعتبر نشوء وتبلور حركة ثورية تستند إلى استقلال الفكرة الوطنية عن نظام الحكم هو بدء العد التنازلي للحكم الاستبدادي.
أخيرا،،
نقول للمضللِين، والمضلَلين، والخائفين والمخوفين، لا يحمي ديمومة الأردن ويضمنها إلا الثورة. فالثورة هي منصة التعميد التاريخي لإدامة الوجود السياسي للشعب الأردني، وهي أيضاً المرجل التاريخي لتدعيم وحدة الشعب الأردني، وضمان ديمومته بكل مكوناته، وتخليصه من طفيليات الضعف والتفسخ الداخلي التي نشبت بمسيرة تطوره، وفككت قدراته على مواجهة التهديدات الخارجية.
الرافعة التاريخية للتحول الثوري في الأردن، هو الحفاظ على فكرة الدولة كما انبثقت في مؤتمر امكيس 2-5 أيلول عام 1920. إن سياسات المستبد الفاسد وعائلته، القائمة على إذلال كل مكونات الشعب، وافقارها عبر الاستبداد والنهب والفساد، لتسهيل شطبهم كحقيقة سياسية مستقلة عن نظام الحكم، تحولت عبر السنوات إلى الوقود الذي يغذي الموقف الثوري الذي يصر على سمو الفكرة الوطنية، وتعاليها عن نظام الحكم.
الثورة في الأردن، من حيث هي: استرداد الدولة سلطة وموارد، وبناء الدولة الحقيقية (التي تعبر عن وجدان الشعب وقيمه العليا المشتركة، وتخدم مصالحه بنفس الوقت دون مساومة، وتصون فكرة الحق، وتحرر كل مكونات الشعب من الخضوع المذل للمكارم والاشتراطات السياسية)، ضرورة لديمومة الأردن كوطن، وأيضاً مؤشر على وعي الشعب لوجوده كحقيقة سياسية مستقلة عن المستبد الفاسد وعائلته
2026-08-17