الهيمنة الامريكية…!
صولة الفجر : هل هي مكافحة الفساد ام تفكيك انتقائي و مظلة حماية ؟
الجزء الرابع :
زينب مهدي*
ذكرنا سابقاً كيف استخدمت الولايات المتحدة معايير الإمتثال الدولي لضمان عدم تسرب العملة الصعبة لخصومها الإقليميين، و ” صولة الفجر ” كانت الأداة التنفيذية التي بدت في جوهرها خطوة إستراتيجية لحفظ المصالح الأمريكية تحت لافتة “مكافحة الفساد
حيث رسمت الحملة خطوطاً حمراء واضحة حول الشبكات الاقتصادية “الصديقة لواشنطن” أبرزها :
١- شبكات الحزب الديمقراطي الكردستاني (أربيل): على الرغم من تسليم أربيل لبعض المطلوبين الهاربين كبادرة حسن نية تكتيكية، إلا أن “صولة الفجر” لم تقترب إطلاقاً من ملفات تهريب النفط المستقل الكردي عبر الحدود التركية، أو العوائد المالية للمنافذ والجمارك غير الرسمية في الإقليم الصديق لأمريكا، رغم إن الشرارة الأساسية لعملية صولة الفجر انطلقت من اعترافات وكيل وزارة النفط السابق (عدنان الجميلي) و التي ركزت على شبكات فساد وتهريب النفط المستقل عبر الحدود التركية، وهي جغرافياً تقع تحت النفوذ المطلق للحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل ودهوك (منفذ إبراهيم الخليل).
٢- القوى البراغماتية : لم تشمل المداهمات أو التحقيقات أي عقود أو شركات تابعة للمؤسسات الاستثمارية لقوى سياسية معروفة ، وهي الجهات التي تتبنى خطاباً معتدلاً ومرحباً بالتنسيق الاقتصادي والدبلوماسي المباشر مع واشنطن وسفارتها.
٣- الشركات المرتبطة بـ “عقود الطاقة الكبرى”: جرى”تحييد”(حماية) هذه الشركات من خلال “آليات قانونية وإجرائية” معقدة تفصلها عن الملاحقة القضائية والمداهمات الأمنية التي شملتها حملة “صولة الفجر” و تتمثل في النقاط التالية:
1. نظام “الاعتمادات المستندية المغلقة”: تودع التخصيصات المالية لهذه المشاريع مباشرة من حسابات مبيعات النفط العراقي في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك إلى حسابات بنوك مراسلة دولية معتمدة أمريكياً (مثل جي بي مورغان وسيتي بنك) دون المرور بالبنك المركزي العراقي أو المصارف الأهلية المحلية. هذا الفصل الفني التام جعل هذه الأموال والشركات المنفذة بعيدة تلقائياً عن أي تدقيق أو تجميد محلي.
2- منح “حصانة استراتيجية” للشركات التابعة والمقاولين الثانويين:
تعتمد الشركات الأمريكية الكبرى لتنفيذ مشاريعها في العراق على شبكة واسعة من الشركات العراقية المحلية كمقاولين ثانويين لتجهيز المواد، الحماية الأمنية، والتحويلات المالية . بقيت هذه الشركات المحلية الحاصلة على عقود شراكة أو مقاولات ثانوية مع الشركات الغربية والأمريكية محصنة بالكامل لتجنب أي صدام مالي أو دبلوماسي مباشر مع واشنطن
٣- لجان التدقيق المشتركة بدلاً من “هيئة النزاهة” :
تم الاتفاق على ألا تخضع العقود المبرمة مع الشركات الصديقة لأمريكا للملاحقة القضائية المحلية المباشرة. وفي حال وجود أي شبهة فساد أو تضخم في الأسعار، يتم إحالة الملف إلى لجان مشتركة تضم مستشارين فنيين وشركات تدقيق أمريكية (مثل K2 Integrity) لمراجعة العقود محاسبياً بشكل هادئ وودّي، بعيداً عن الإعلام والإجراءات العقابية.
4-التمييز بين ما يسمى “الفساد السياسي!” و”العمولات التجارية المشرعنة” و تصنف الى نوعين :
اولاً : الفساد المستهدف: وهو الفساد الذي تديره شبكات اقتصادية بعيدة عن المصالح الأمريكية
ثانياً : الفساد المحصن: وهو الفساد المتمثل في “العمولات والمنافع التجارية” التي تحصل عليها قيادات سياسية أو رجال أعمال مقربون من واشنطن لتسهيل تمرير العقود الكبرى. تم التغاضي عن هذا النوع باعتباره “تكلفة طبيعية لممارسة الأعمال” وضماناً لتأمين بيئة استثمارية جاذبة للشركات الأمريكية العملاقة (المكافأة المتبادلة).
من خلال هذه الهندسة القانونية والمالية الدقيقة، تمكنت حكومة علي الزيدي من إرسال رسالة طمأنة واضحة إلى واشنطن تفيد بأن حملة التطهير المالي لن تمس المصالح الاقتصادية الأمريكية ومشاريع الطاقة الكبرى ، بل ستكون بمثابة جدار حماية لها عبر تصفية الخصوم والمنافسين من الساحة الإقتصادية
·2026-08-17