كوكبي …
فرساي 2026… حين انكشف المسرح وسقط النص المكتوب مسبقاً!
جوهر سعود
المضحك في المشهد ليس الاتفاق بحد ذاته، بل حالة الإنكار التي أصابت جمهور المنظومة القديمة. منذ سنوات وهم يبيعون الناس رواية واحدة: أمريكا لا تُهزم، الغرب لا يتراجع، والعقوبات كفيلة بإخضاع أي دولة تخرج عن الطاعة. ثم جاءت لحظة الاختبار الحقيقي، فإذا بالخطاب كله يبدأ بالانهيار أمام الواقع.
راقبوا ما يكتبه منظّرو مراكز الأبحاث الغربية منذ سنوات: الحديث لم يعد عن “كيف نهزم الخصوم”، بل عن “كيف ندير التراجع”، وعن “احتواء الصعود الآسيوي”، وعن “إعادة توزيع الأعباء”، وعن “العالم متعدد الأقطاب”. هذه ليست لغة إمبراطورية في ذروة قوتها، بل لغة منظومة تدرك أن ميزان القوى لم يعد كما كان.
لكن المشكلة أن كثيرين في منطقتنا لا يقرأون ما يُكتب في غرف التفكير، بل يكتفون بترديد ما تقوله وسائل الإعلام. لذلك عندما يُجبر الغرب على التفاوض مع خصم حاصره لعقود، لا يرون أزمة في المشروع الاستعماري نفسه، بل يبحثون فوراً عن “خائن” أو “مفاوض سيئ” أو “خطأ تكتيكي”. كأن الإمبراطورية معصومة عن الخطأ، وكأن التراجع ممنوع عليها بحكم الطبيعة.
هنا تنكشف العقدة الحقيقية: البعض لم يبنِ وعيه على فهم موازين القوى، بل على الإيمان المطلق بقوة المركز الغربي. لذلك فإن أي شرخ في صورة القوة المطلقة يربكه أكثر مما يربك أصحاب المشروع أنفسهم. إنه أشبه بمن يكتشف فجأة أن العملاق الذي كان يهابه ينزف، فيرفض تصديق عينيه ويبدأ بالبحث عن أي تفسير آخر.
الحقيقة التي يحاول كثيرون الهروب منها أن العالم يتغير أمام أعيننا. ليس لأن طرفاً أصبح ملاكاً أو لأن طرفاً آخر صار شيطاناً، بل لأن التاريخ يتحرك، والإمبراطوريات لا تسقط دفعة واحدة، بل تبدأ أولاً بفقدان قدرتها على فرض إرادتها كما كانت تفعل سابقاً. وعندما تصل الأمور إلى مرحلة التفاوض على ما كان يُعتبر خطوطاً حمراء، فهذه ليست تفاصيل بروتوكولية، بل إشارات على تحولات أعمق بكثير.
أخطر ما في لحظات التحول التاريخي ليس التغيير نفسه، بل عجز البعض عن رؤيته. فهناك من يعيش في عالم يتبدل كل يوم، لكنه ما زال يقاتل للدفاع عن صورة قديمة لم تعد موجودة إلا في ذاكرته. أما الواقع فلا يعترف بالأوهام؛ إنه يكتب صفحاته الجديدة بمن يفهم اتجاه الريح، لا بمن يصرّ على إنكار هبوبها.
2026-06-21