في رحاب الحسين عليه السلام!
انتصار الماهود
هو رجل تجمعت تحت رايته كل اللغات، وذابت عند عتبته كل الفوارق. الحسين عليه السلام ليس حفيد نبي فحسب، ولا إماماً معصوماً فقط، بل هو الإنسان الذي جسد أسمى معاني البطولة والشجاعة في مواجهة الظلم الذي تعرضت له الإنسانية على يد حكام بني أمية.
وقف بوجههم رافضاً نهجهم المنحرف، وهو يدرك تماما حجم التضحية التي سيقدمها مقابل هذا الموقف. (سيدي يا أبا عبد الله، لماذا لم تبايع؟ إنها مجرد كلمة تقال وتمضي في سبيلك، محافظا على نفسك وآل بيتك، ومجنبا إياهم المآسي التي ستحل بهم) . لكن هل كان الحسين عليه السلام يقبل بذلك؟ بالتأكيد لا.
فمن تربى في بيت النبوة، ونهل من علم جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتعلم الشجاعة من أبيه حيدر الكرار عليه السلام، كيف له أن يسكت عن الحق ويجامل الباطل؟ كلا والله، هيهات منا الذلة. رفض الخضوع ليزيد الملعون، ولو كلفه ذلك حياته، فكانت كربلاء المعركة التي فصلت بين الحق والباطل.
ورغم أن الباطل انتصر عسكريا، فإن القضية الحسينية هي التي انتصرت عبر الزمن. ببركة دماء الحسين عليه السلام ارتفعت رايات الحق والعقيدة شامخة، وأصبح هذا الرجل العظيم رمزا عالميا، يعرف القاصي والداني ما قدمه للإنسانية.
كما استطاعت العقيلة زينب عليها السلام أن توصل رسالته ومبادئه، فكلمة واحدة منها، بعفافها، وصبرها وعنفوانها، كسرت هيبة الطغيان الذي أراد يزيد فرضه على آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
كلما وقفت أنا على أرض كربلاء، استحضرت ذلك المشهد العظيم، تلك المعركة التي اشتدت حتى انتهت باستشهاد ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبنائه، وإخوته، وأصحابه.
يغمرني حزن عظيم، وتختلط مشاعري كلما سرت على تلك الأرض. أمشي على مهل، لأنني لا أعلم أي جسد طاهر سقط هنا، وأي قطرة من الدماء الزكية روت هذه الأرض المباركة.
أتأمل ذلك المشهد المهيب، وأرى الملايين التي جاءت لإحياء مراسم الأربعين، فأطرح على نفسي أسئلة كثيرة: هل سنكتفي كل عام بإقامة مراسم العزاء ثم يعود كل منا إلى منزله؟ ما هو دورنا الحقيقي؟ وهل سنكون نحن من يكمل مسيرة هذه الرسالة العظيمة؟ وهل سنحمل العقيدة الحقة كما أرادها الحسين عليه السلام؟ وهل يقتصر تكليفنا الشرعي على شهري محرم وصفر فقط؟ وماذا عن بقية أيام السنة؟ وما واجبنا تجاه القضية الحسينية؟
وجدت الإجابة عندما وقفت أمام ضريح سيدي ومولاي أبي الفضل العباس عليه السلام. شعور عظيم ورهبة كبيرة اجتاحت جسدي وأنا أقف أمام قبر هذا الرجل الذي ضحى بيديه، وعينه، وروحه، وجسده، وبإخوته، فداء للدين، وفداء للحسين عليه السلام.
كذلك حين أرى العقيلة زينب عليها السلام وافقة في مجلس يزيد، مكبلة بالسلاسل لكن تلك القيود لم تكسر هيبتها، ولا قوتها، ولا صبرها، ولا إيمانها. هذه المشاهد المؤثرة منحتني الحافز، وأجابت عن جميع تساؤلاتي.
تعلمت من الحسين عليه السلام الثبات على الحق، وتعلمت من العقيلة زينب عليها السلام الصبر وقوة الموقف، وتعلمت من أبي الفضل العباس عليه السلام الشجاعة والإيثار والوفاء. وتعلمت من أصحاب الحسين عليه السلام الطاعة والوفاء.
وسأبقى أتعلم من أهل البيت عليهم السلام الصبر على المصائب، وإيثار الآخرين على نفسي ، والدفاع عن مذهبي وعقيدتي، وعن عفافي وعائلتي، وحماية مجتمعي من الهجمات الفكرية الضالة التي تريد إبعاده عن جادة الصواب.
وسأعلم الآخرين أن يتقبلوا الناس على اختلاف لغاتهم وألوانهم وأعراقهم، مستذكرة قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: “الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.”
وسأعلمهم أن حب الحسين عليه السلام يجب أن يكون عامل قوة ووحدة للجميع ، لأنه لم يكن إماما معصوما فحسب، بل كان قائداً ثائرا واجه الظلم، وأراد للناس أن يعيشوا في دولة يسودها العدل، وتحكمها شريعة الله تعالى، لا شريعة الظلم والطغيان.
وفي الختام، تذكروا دائما أنه كلما أقبل شهر محرم الحرام، فلا يقتصر الأمر على ارتداء السواد وإعلان الحداد، بل كونوا للقضية الحسينية عونا بنشر مبادئها، والعمل بأخلاقها، والدفاع عن قيمها في كل يوم وكل ساعة ، وادعوا الجميع للإتفاف حول راية الحسين عليه السلام، راية الحق والكرامة والإنسانية.
2026-08-07