آفاق المعركة الأخيرة!
أضحوي جفال محمد*
لا يمكنني النظر إلى المعركة_ الطارئة_ بين إسرائيل وايران بمنظور عسكري بحت. فالصواريخ التي أُطلقت والأهداف التي أُصيبت لا تمثل قطرة من بحر الصراع المحتدم منذ مئة يوم. اذن فالمسألة برمتها سياسية، ويتفرع منها او تتفرع هي من بُعد استراتيجي سنشير اليه في نهاية المقال.
عمل نتنياهو بدأب، طوال سنوات الحرب التي بدأت في السابع من اكتوبر، على إقحام الولايات المتحدة معه في الحرب، وعلى تشتيت الساحات المقاومة لإسرائيل في المنطقة. وحقق نجاحات كبيرة يعتورها دائماً أنها مؤقتة وذلك لغياب الحسم. وخلال الهُدن الترامبية الممتدة شهرين حتى الان ظل ذانك الهدفان هاجساً لنتنياهو يسعى لفرضهما دون كلل. بنى خطته الأخيرة على تخريب الوصول إلى اتفاق بين ترامب والإيرانيين، وذلك بتحركاته العسكرية حيناً، وباللوبيات الصهيونية داخل امريكا حيناً آخر. لكن قدرته على ذلك ضعفت نتيجة للفشل الأمريكي ضد ايران وجنوح ترامب للبحث عن مخرج سلمي.
المعركة الأخيرة كانت محاولة اسرائيلية متجددة للهدفين كليهما: جر الولايات المتحدة للمعركة، وتيئيس ايران من سعيها للتضامن بين قوى المقاومة. ويبدو، ضمن النتائج المؤقتة، أنه فشل فشلاً ذريعاً. فلا الولايات المتحدة انجرّت وراءه، ولا ايران تراجعت عن تعهداتها بالتضامن الفعلي مع المقاومة في لبنان. وانعكس اول الفشلين على الثاني، ذلك ان قرار ترامب بترك نتنياهو وحده في المواجهة ردعه عن الاستمرار في محاولة فصل الساحات المقاومة، فمني_ اعني نتنياهو_ بانتكاسة كبرى وهو على اعتاب انتخابات لا تمنحه استطلاعات الرأي فيها تفوقاً.
ترامب هو الاخر على اعتاب انتخابات مماثله لا تمنحه فيها استطلاعات الرأي حظاً أوفر من حظ نتنياهو. واذا كان التصعيد سبيل نتنياهو للفوز فإنه سبيل ترامب للخسارة. لذلك وفي تصريح ناشز عن تقاليد التعامل الأمريكي مع إسرائيل قال ترامب انه صاحب القرار في ما يجري وان نتنياهو لا يملك غير القبول بالاتفاق الذي يقرره هو. هذا التصريح بمثابة ضربة على راس نتنياهو المشدود بين سهام معارضيه وحلفائه المتطرفين على حد سواء.
ترامب متّهم داخل الولايات المتحدة بأنه يقاد من جانب نتنياهو وأنه يضع مصلحة إسرائيل اولاً، ولإبعاد تلك التهمة عن نفسه تصرف بهذا الشكل الفج مع اسرائيل، وقال لهم حسب مصادر عديدة: إذا كنتم مصممين على التصعيد فاذهبوا اليه وحدكم ولن تكون امريكا معكم.
هذا الموقف على شدته يستطيع ترامب تسويقه بواسطة قرار الكونغرس مؤخراً والذي يحد من سلطاته في مواصلة الحرب. ومع ذلك لم يكتف به حجة ووجد نفسه مضطراً لتقديم تعويض لنتنياهو عن الاهانة التي لحقت به، فوعده بأن يزج السلطة السورية لتقاتل إلى جانبه في لبنان!.
يستطيع من يريد التعامل مع هذا الوعد الترامبي على أنه رذاذ من ثرثراته التي لا تتوقف، أما أنا فأراه إشارة إلى ألبُعد الاستراتيجي في المسألة. فالفصائل الجهادية في سوريا لم يؤتَ بها إلى السلطة ولم تُجمّد بحقها تبعات الارهاب ولم تطلق يدها في ارتكاب المجازر والفظائع ولم تحصل على كل هذا الثناء من جانب ترامب وعملائه العرب لوجه الله فقط او تقديراََ لطول لحاهم وقصر ثيابهم، وانما هم وبشكل معلن جزء رسمي من الاستراتيجية الأمريكية الاسرائيلية في المنطقة، وسيجري العمل على زجهم بحيث تقتضي المصلحة الاسرائيلية. اما هل ينجح ذلك فأمر منوط بعناصر اخرى متشابكة. ولقد طُلب منهم ذلك سابقاً ومهد الشرع للاستجابة بقوله انه وإسرائيل يواجهان عدواََ مشتركاً. لكنّ الاتراك فرملوا العملية وأحبطوها. والان تتجدد المحاولة بمساعٍ اماراتية مصحوبة بوعود استثمارات سخية نيّفت على الخمسين ملياراً تتم جدولتها على مراحل الاستجابة خطوة بخطوة. وسنرى حظوظ ذلك من النجاح في واقع شديد الالتباس.
( اضحوي _ 2393 )
2026-06-10