ما بين الحنين إلى فتح التاريخية والحاضر المظلم: هل تستطيع فتح إعادة تعريف نفسها داخل مشروع وطني جديد؟
غانية ملحيس*
أولا: بين الحنين والنهاية: هل ما تزال فتح ممكنة تاريخيا؟
ما تواجهه حركة فتح اليوم ليس أزمة تنظيم أو خلافا على قيادة، بل نهاية مرحلة تاريخية كاملة كانت تسمح أصلا بوجود “فتح كما عرفها الفلسطينيون”.
فما بين حنين متزايد إلى فتح التاريخية، وبين واقع فلسطيني وإقليمي ودولي تغيّر جذريا، لم يعد السؤال هو كيف تُصلَح الحركة، بل ما إذا كان يمكن إعادة تعريفها من الأساس داخل شروط لم تعد تشبه شروط ولادتها الأولى.
وفي هذا السياق، لا يبدو المؤتمر الثامن للحركة محطة تنظيمية عادية، بل لحظة اختبار لحدود فكرة الحركة نفسها: هل ما تزال حركة تحرر وطني قادرة على إنتاج أفق، أم أنها تحولت إلى بنية تدير واقعا فقد شروط تحرره؟
ثانيا: من الثورة إلى التسوية: كيف وصلت فتح إلى هذه اللحظة؟
لم يكن التحول الذي أصاب الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي قلبها فتح، نتيجة قرار منفصل أو “انحراف” سياسي طارئ، بل جاء ضمن مسار تاريخي طويل أعاد تشكيل البيئة التي تحركت داخلها القضية الفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي.
فبعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 بدأت المنطقة تدخل تدريجيا مرحلة الانتقال من منطق الصراع المفتوح مع المشروع الصهيوني إلى منطق التسوية السياسية، وتكرّس هذا التحول بصورة أعمق بعد اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979 وخروج مصر من دائرة الصراع، بما حمله ذلك من تفكك تدريجي للغطاء العربي المركزي للقضية الفلسطينية.
ثم جاء اجتياح لبنان عام 1982 ليشكّل ضربة تاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية بعد إخراج الثورة الفلسطينية من آخر معاقلها في الجوار الجغرافي المباشر لفلسطين، وتفكيك جزء كبير من بنيتها العسكرية والسياسية، واعادة تموضعها في المنافي البعيدة، بما حمله ذلك من آثار عميقة على العلاقة بين الحركة الوطنية الفلسطينية ومجالها الجغرافي والاجتماعي المباشر. قبل أن تتعمق التحولات أكثر مع الحرب الأولى على العراق عام 1991، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وتفكك النظام الدولي ثنائي القطبية. الأمر الذي أغلق مرحلة تاريخية كاملة كانت تتيح هوامش أوسع لحركات التحرر الوطني.
وفي ظل هذا الاختلال العميق في موازين القوى، بدأت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وفتح بصورة أساسية، تعيد تعريف استراتيجيتها السياسية تحت عنوان “الواقعية السياسية”، منتقلة تدريجيا من مشروع التحرير الشامل إلى مشروع الدولة الفلسطينية على جزء من فلسطين الانتدابية.
وتكرّس هذا التحول مع إعلان الاستقلال عام 1988 والقبول بقراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، رغم أن هذين القرارين لم ينصا على قيام دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بل تضمنا اعترافا عمليا ودوليا بشرعية الكيان الصهيوني على معظم أرض فلسطين الانتدابية، وأخرجا عمليا الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 من دائرة التفاوض السياسي لحل الصراع المرتكز على مبدأ مقايضة الأراضي الفلسطينية بين الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، والشعب الفلسطيني وفقا للأقدمية الزمنيّة لاحتلالها. وبالرغم من أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 ، أواخر العام 1987 ، أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، وفرضت حضور الشعب الفلسطيني بوصفه شعبا يقاوم الاحتلال ويطالب بحقه في تقرير المصير، فإن انخراط منظمة التحرير الفلسطينية في المسار الدولي والإقليمي الذي تكرّس بعد حرب الخليج الأولى ومؤتمر مدريد 1991، قبل أن يصل إلى ذروته السياسية مع اتفاق أوسلو، الذي لم يكن مجرد اتفاق سياسي عابر، بل لحظة تاريخية فارقة أعادت تعريف وظيفة الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها.
فبموجب اتفاق أوسلو، انتقلت الحركة الوطنية من موقع قيادة مشروع تحرري مفتوح، إلى موقع إدارة سلطة محدودة الصلاحيات، تعمل داخل شروط استعمارية لم تتوقف عن التوسع والهيمنة. وهنا بدأ التناقض البنيوي الذي ما تزال فتح تعيشه حتى اليوم.
ثالثا: التناقض بين الحركة والسلطة
تستمد حركات التحرر الوطني شرعيتها من قدرتها على التعبئة والاشتباك وإنتاج أفق جماعي للتحرر، بينما تعمل السلطة بمنطق مختلف يقوم على الإدارة اليومية، وضبط المجال العام، والحفاظ على الاستقرار، ومنع الانهيار.
ومع انتقال فتح إلى موقع قيادة السلطة الفلسطينية، بدأت أولويات جديدة تتشكل داخل بنيتها السياسية والتنظيمية: التمويل، والإدارة، والعلاقات الدولية، والتوازنات الأمنية، ومتطلبات البقاء المؤسسي. وهكذا أخذ منطق الإدارة يتقدم تدريجيا على منطق التحرر، وتحول جزء متزايد من الكادر السياسي والتنظيمي من موقع الفاعل التحرري إلى موقع الموظف داخل بنية حكم مقيدة.
وفي هذا السياق، لم يعد السؤال المركزي داخل الحركة يدور حول كيفية مواجهة المشروع الصهيوني، بقدر ما أصبح يدور حول كيفية إدارة الواقع القائم، ومنع انهيار السلطة نفسها. وهنا بدأت السياسة الفلسطينية تفقد تدريجيا بعدها التحرري لصالح إدارة أزمة مفتوحة بلا أفق سياسي واضح.
غير أن المشكلة الأعمق لم تكن فقط في طبيعة السلطة أو اختلال موازين القوى، بل في طبيعة المشروع الصهيوني نفسه. فالمسار التفاوضي افترض إمكانية الوصول إلى تسوية تنتهي بقيام دولة فلسطينية مستقلة عبر تقاسم السيادة، بينما يقوم الاستعمار الاستيطاني الإحلالي على منطق مختلف أساسه السيطرة المستمرة على الأرض، وتفكيك المجال الفلسطيني، وإدارة السكان الأصليين، وليس إنهاء الاستعمار والاستيطان أو الانسحاب الكامل.
ولهذا، لم يكن تعثر أوسلو مجرد فشل تفاوضي أو سوء تطبيق لاتفاق سياسي فحسب، بل تعبيرا عن تناقض بنيوي بين مشروع تحرر وطني، وبين بنية استعمارية لا تسمح أصلا بقيام سيادة فلسطينية حقيقية.
رابعا: أزمة الشرعية داخل فتح
للمزيد ..اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/93713
2026-05-12