حرية ومساواة و«عنصرية»!
مهدى مصطفى
فى المقال السابق أشرت إلى «جيل غربى جديد»، وقلت إنه قد يتحرر من إرث ثقيل، إرث يفتقر إلى العدالة والإنصاف، وربما يستفيق من الأساطير التى صنعت الجيب الاستعمارى شرق المتوسط بدل من فلسطين الأصلية، وكانت هناك إشارة لافتة من هذا الجيل، حين رفع لاعب برشلونة الشاب – لامين يامال – علم فلسطين، احتفالا بفوز فريقه بالدورى الإسبانى.
هذا الجيل قد يستعيد الذاكرة المثقلة بالحروب والغزوات والعنصرية، ولا يتسامح مع أسلافه» العنصريين»، وقد لا يدرك كثير من الناس أن العالم، غير الأوروبي، كان أكثر تسامحا مما ينبغي، يصمت عما يعرف، ويتجاوز عن التناقضات، كأنها قدر أو حكمة.
فمن مفارقات التاريخ أن العصر الذى يسمى «عصر العقل والحرية والمساواة»، كان نفسه عصر تصنيف البشر بالألوان، وقياس الإنسانية بمعايير أوروبية بيضاء.
منذ القرن الثامن عشر، خرج «التنوير الأوروبى»، من حدوده، يحمل الفلسفة، ويحمل المدافع والسفن والشركات العابرة للقارات، يجتاح العالم، ويزيح الثقافات، ويدفن معارف الشعوب تحت ركام «النموذج المتفوق».
التنوير الأوروبى، بلا شك، كان نقطة تحول كبرى فى الفكر البشرى، لكنه لم يكن تنويرا للبشر جميعا، فقد كان ينظر بإمعان إلى الأوروبى الأبيض، أولا وأخيرا.
فى مكتبة قديمة بسور الأزبكية فى القاهرة، أو فى شارع المتنبى ببغداد، أو بين رفوف مكتبات دمشق، وبيروت، والرباط، والجزائر، وتونس، وطرابلس الغرب، والخرطوم، وأبوظبى، والرياض وغيرها من عواصم العرب، ستجد مؤلفات مصقولة بعناية لفلاسفة العقل والتقدم: فولتير، لوك، هيوم، كانط، وهيجل، يتحدثون عن «الإنسان»، وكم نحن متسامحون معهم حتى نقرأهم باحترام.
ها هو الفيلسوف الإنجليزى جون لوك، فيلسوف حقوق الملكية، يقول: «الأرض تعود لمن يحسن استثمارها»، وهى عبارة فتحت الأبواب لاقتلاع شعوب كاملة من أراضيها، لأن السكان الأصليين لم يزرعوها بالطريقة الأوروبية.
أما الفرنسى فولتير، فيلسوف التسامح الشهير، فيقول: «العرق الزنجى نوع من البشر مختلف عن الأوروبى»، والأسكتلندى ديفيد هيوم يكتب: «أميل إلى الظن أن الزنوج أدنى طبيعة من البيض»، ثم يضيف أنه لم توجد أمة متحضرة غير بيضاء، وكأن حضارات إفريقيا وآسيا وأمريكا القديمة قد محيت من الذاكرة.
حتى المسكين جان جاك روسو، الذى دافع عن الحرية والطبيعة، رأى أن الشعوب غير الأوروبية أقل تطورا حضاريا من الأوروبيين، وكأن «الإنسان الطبيعى»، يحتاج إلى جواز سفر أوروبى، أما الفيلسوف الألمانى كانط، أحد أبرز فلاسفة الأخلاق، فقال: «الإنسانية تبلغ أعظم كمالها فى العرق الأبيض»، وكتب الرئيس الأمريكى، توماس جيفرسون، صاحب عبارة «جميع الناس خلقوا متساوين»، أن السود أدنى من البيض فى مواهب الجسد والعقل، أما هيجل فاعتبر أن إفريقيا «ليست جزءا تاريخيا من العالم»، وأنها تمثل «الروح غير التاريخية وغير المتطورة».
وأعلن الإنجليزى هربرت سبنسر أن «بقاء الشعوب الأقوى واختفاء الشعوب الضعيفة جزء طبيعى من التطور»، فتحول الاستعمار إلى ما يشبه «القانون الطبيعى»، ثم جاء الإنجليزى جالتون، مؤسس «تحسين النسل»، ليتحدث عن تفاوت عقلى بين الأعراق، فبدأت قياسات الجماجم والخرائط العرقية ومحاولات تصنيع «الإنسان المثالى».
وقسم الفرنسى رينان البشرية وظيفيا، معتبرا الأوروبيين «عرق السادة»، بينما رأى ألكسيس دو توكفيل أن فرنسا يجب أن تهيمن على الجزائر من أجل «تمدينها»، وكان هذا التمدين يتم بالمدافع وحرق القرى.
أما داروين فكتب أن «الأعراق المتحضرة سوف تحل محل الأعراق المتوحشة»، قبل أن يحول الغزاة نظريته البيولوجية إلى حالة استعمارية للبشر، ووصل الأمر إلى نيتشه الذى مجد القوة، ثم إلى تشامبرلين الذى اعتبر «العرق الجرمانى روح الحضارة»، وهى الأفكار التى وجدت طريقها المفتوح إلى المزاج النازى.
وقال رودس بلا مواربة: «نحن أعظم عرق فى العالم»، بينما صاغ الشاعر كبلينج فكرة «عبء الرجل الأبيض»، واصفا الشعوب المستعمرة بأنها «نصف شيطانية ونصف طفولية»، فى مفارقة جعلت المحتل يطالب ضحاياه بأن يشكروه، لأنه تفضل واحتلهم.
هكذا بدا الوجه الآخر لعصر التنوير: عقل أوروبى يرفع شعارات إنسانية واسعة، بينما يضيق عمليا بالآخر المختلف، ثم جاءت الحداثة الاستعمارية لتحمل هذه الأفكار إلى إفريقيا وآسيا والأمريكيتين عبر السفن والمعسكرات والبنادق، فهل يتطهر الجيل الأوروبى الجديد من الحرية والمساواة المخلوطة بالعنصرية؟
2026-05-14