فتوى السيد محسن الحكيم ضد الشيوعية: حين تحوّلت الفتوى إلى غطاء سياسي للقمع عام 1963!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في تاريخ العراق الحديث محطات دامية لا يمكن قراءتها بوصفها حوادث عابرة، بل بوصفها حلقات مترابطة في صراع سياسي واجتماعي وفكري، اختلط فيه الديني بالسياسي، والمحلي بالدولي، والفتوى بالسلاح. ومن بين هذه المحطات تبرز فتوى المرجع الشيعي الأعلى السيد محسن الحكيم ضد الشيوعية، التي وُصفت فيها الشيوعية بأنها كفر وإلحاد، وهي فتوى سبقت انقلاب شباط الأسود عام 1963، لكنها وفّرت لاحقًا مناخًا معنويًا وسياسيًا استُخدم ضد الشيوعيين واليساريين العراقيين.
تشير المصادر التاريخية إلى أن فتوى السيد محسن الحكيم صدرت في سياق الصراع المحتدم بعد ثورة 14 تموز 1958، لا في عام 1963 مباشرة. فقد تصاعد حضور الحزب الشيوعي العراقي في الشارع، وفي النقابات، وبين الطلبة والعمال والمثقفين، الأمر الذي أثار قلق القوى الدينية والمحافظة والقومية. وتذكر بعض الدراسات أن الحكيم أصدر فتوى عام 1960 ضد الانتماء إلى الحزب الشيوعي، رابطًا الشيوعية بالإلحاد، ومحذّرًا المؤمنين من الانضمام إليها أو مناصرتها.
غير أن خطورة الفتوى لم تكن في نصها الديني وحده، بل في توظيفها السياسي اللاحق. فعندما وقع انقلاب 8 شباط 1963، وسيطر البعثيون والقوميون على مقاليد الحكم، تحوّل العداء للشيوعية من موقف فكري أو عقائدي إلى حملة تصفية جسدية. لقد جرى اعتقال وتعذيب وقتل آلاف الشيوعيين واليساريين والديمقراطيين، وامتلأت السجون والملاعب ومراكز الأمن بضحايا تلك الهجمة الفاشية الدموية. وتشير روايات ودراسات متعددة إلى أن حملة القمع بعد الانقلاب استهدفت الشيوعيين بصورة منظمة، مع اختلاف كبير في تقدير أعداد الضحايا.
أما مسألة دور المخابرات المركزية الأمريكية، فينبغي تناولها بدقة تاريخية. هناك كتابات وشهادات تتحدث عن دعم أمريكي أو معرفة أمريكية مسبقة أو تواطؤ مع قوى الانقلاب، بل وتذكر بعض الروايات أن قوائم بأسماء شيوعيين وصلت إلى الانقلابيين. لكن إثبات أن فتوى السيد محسن الحكيم نفسها صدرت بتوجيه مباشر من المخابرات المركزية يحتاج إلى وثيقة حاسمة لا يمكن الجزم بوجودها دون سند أرشيفي قاطع. لذلك فالصياغة الأقوى علميًا هي القول إن الفتوى جاءت منسجمة موضوعيًا مع مناخ الحرب الباردة والعداء العالمي للشيوعية، وإنها استُثمرت سياسيًا من قبل القوى الرجعية والقومية والبعثية التي كانت ترى في الشيوعيين الخطر الأكبر على مشروعها في السلطة.
إن المأساة الكبرى تكمن في أن فتوى دينية، كان يمكن أن تبقى ضمن حدود الجدل العقائدي، تحولت في الواقع العراقي إلى سلاح رمزي في يد سلطة دموية. فالفتوى لم تقتل بيدها، لكنها ساهمت في خلق بيئة اجتماعية ونفسية تبرّر الكراهية، وتُجرّد الخصم السياسي من إنسانيته، وتسهّل اتهامه بالكفر والإلحاد والخيانة. وحين يُنزَع عن الإنسان حقه في الاختلاف الفكري، يصبح قتله أو تعذيبه أو إقصاؤه أمرًا مقبولًا لدى الغوغاء وأدوات القمع.
لقد كان الشيوعيون العراقيون، على اختلاف مواقعهم الفكرية والتنظيمية، جزءًا أصيلًا من حركة التحرر الوطني. دافعوا عن الفقراء، والعمال، والفلاحين، والطلبة، وعن استقلال العراق وسيادته. وقدّموا تضحيات جسيمة في السجون والمنافي والمشانق. لذلك فإن ربطهم جميعًا بالكفر والإلحاد لم يكن توصيفًا دينيًا بريئًا، بل كان حكمًا سياسيًا خطيرًا ساعد في شرعنة إبادتهم المعنوية والجسدية.
إن قراءة تلك المرحلة اليوم لا تستهدف إثارة الأحقاد، بل كشف آليات صناعة الكراهية السياسية. فحين يتحالف الخطاب الديني المتشدد مع السلطة القمعية، وحين تتقاطع مصالح الداخل الرجعي مع مشاريع الخارج الإمبريالي، تكون النتيجة دائمًا كارثة على المجتمع والوطن. وما حدث في العراق عام 1963 كان مثالًا صارخًا على ذلك: انقلاب دموي، وقوائم اعتقال، وتعذيب، وتصفيات، وصمت اجتماعي فرضته الفتوى والخوف معًا.
وعليه، فإن فتوى السيد محسن الحكيم ضد الشيوعية لا يمكن فصلها عن سياقها التاريخي: صعود اليسار العراقي، خوف المؤسسة الدينية والمحافظة، مناخ الحرب الباردة، وتربص القوى القومية والبعثية بعبد الكريم قاسم وحلفائه. لكنها في الوقت نفسه لا يمكن إعفاؤها من أثرها السياسي والأخلاقي، لأنها ساهمت في منح خصوم الشيوعيين غطاءً دينيًا استُخدم في لحظة من أكثر لحظات العراق الحديثة ظلامًا ودموية.
إن واجب المؤرخ والمثقف ليس تبرئة القتلة، ولا تقديس الفتاوى، بل إعادة قراءة التاريخ بعين نقدية. فالأوطان لا تنهض إلا حين تعترف بضحاياها، وتفكك خطاب الكراهية الذي مهّد لقتلهم، وتضع حدًا لاستخدام الدين في تصفية الخصوم السياسيين. هكذا فقط يمكن للعراق أن يتصالح مع ذاكرته، لا بالنسيان، بل بالحقيقة والعدالة والإنصاف.
ملاحظة منهجية: استُخدمت في الصياغة لغة تحليلية حذرة عند تناول مسألة دور المخابرات المركزية الأمريكية، لأن الجزم بصدور الفتوى بتوجيه مباشر منها يحتاج إلى وثيقة أرشيفية قاطعة، بينما الثابت تاريخيًا هو توظيف الفتوى سياسيًا في مناخ الحرب الباردة والعداء للشيوعية.
2026-05-14