الحرب.. ودور المال الخليجي في الاقتصاد الأمريكي!
اضحوي جفال محمد*
منذ اواسط سبعينيات القرن الماضي، ومع صعود الطفرة المالية في الخليج، أبرمت الولايات المتحدة مع السعودية ومن ورائها الخليجيون الآخرون اتفاقية البترودولار، لتحل محل غطاء الذهب الذي نزعه عن الدولار الرئيس نكسن قبل ذلك بثلاث سنوات. وبموجب تلك الاتفاقية يباع النفط الخليجي بالدولار ثم تعود دولاراته الزائدة عن الحاجة إلى الولايات المتحدة على شكل ودائع او استثمارات او مدفوعات تجارية. وهكذا ظلت تلك الاموال تتراكم حتى بلغت ارقاماً فلكية. فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت اموال (صندوق الاجيال القادمة) الكويتي تناهز المئة مليار دولار عام 1990. والمليار في ذلك الوقت يعتبر مبلغاً هائلاً، إذا علمنا ان الميزانية السنوية للكويت في ذلك الوقت لا تتجاوز سبعة او ثمانية مليارات. فتبددت معظم امواله بيد الامريكان خلال ازمة الغزو العراقي. من هنا نستطيع القول ان توقف تدفق تلك الاموال نتيجة لتوقف صادرات النفط الخليجي حالياً ليس خسارة للخليجيين وحدهم وانما خسارة للأمريكان ايضاََ. الخسارة الأمريكية لا تنحصر في عدم تلقيهم اموالاً جديدة من الخليج بل تشمل سحب الخليجيين اموالهم من الولايات المتحدة للتعويض عن توقف الإيرادات بسبب الحرب.
ولأن الأصول الخليجية في الولايات المتحدة تتوزع على أشكال مختلفة يدخل كثير منها ضمن الممتلكات صعبة التسييل. فبيع عقار مثلاً قد يستغرق شهوراً قبل توفر المشتري المستعد لدفع السعر المناسب او قريب منه. لذا فإن الأصول الأسهل في السحب هي الأسهم والسندات التي يتم تداولها في البورصات، وأكثرها شيوعاً سندات الخزينة الأمريكية، وقد بوشر ببيعها دون السعر الحقيقي لها، وهو ما خلق مشكلة كبرى لدى الأمريكان. فالديون الأمريكية المستحقة الدفع هذا العام تتراوح بين التسعة والعشرة تريليونات دولار، والمعمول به ان جزءاََ كبيراً منها يعاد تدويره بإقراضه من جديد للحكومة الفيدرالية فور استلامه، بمعنى ان التسديد يتم نظرياََ فقط، فالمبلغ المطلوب توفيره لسد العجز يبلغ تريليونَي دولار.. اكثر من ربع الميزانية الفيدرالية. وكانت الادارة الأمريكية تعوّل بدرجة أساس على الخليجيين في تغطية هذا المبلغ الخيالي. فعندما زار ترامب دول الخليج بعد توليه الرئاسة قبل عام جرى الحديث عن تريليونين او ثلاثة، وبها يكون قد أمّن تمويل سنتين قادمتين إذا اخذنا بنظر الاعتبار ما استحصله من دول اخرى. لكن هذه الاموال لن تُدفع الان لعدم توفرها في هذا الظرف القاهر. ولا تتوقف مشكلة الأمريكان عند حدود عجز الخليجيين عن الدفع وانما تطال لجوءهم لسحب الاموال من السوق الأمريكية المضطربة أصلاََ. انهم يبيعون بخسارة السندات التي بحوزتهم، فينضمون بذلك إلى الصين واليابان ودول اوربية تهرب من السوق الأمريكية. هؤلاء كانوا أهم الممولين للخزينة الأمريكية ذات العجز المزمن. وعندما يبيعون الأسهم بأقل من سعرها لدى الاكتتاب كأنهم يحذرون غيرهم من الاقتراب لسفينة تغرق. ولهذا شهدت آخر مزادات نظمتها الخزانة الأمريكية خلال الأسابيع الماضية شبه غياب للمستثمرين الخارجيين، وما بِيع من السندات فإنما بِيع بشروط أصعب من ذي قبل (وصلت الفائدة لـ %5 ولمدد أقصر). والمشترون كانوا محليين، شركات تأمين وصناديق تقاعد وبنوك أمريكية.
قبل ايام طلبت الامارات من الولايات المتحدة فتح خط مبادلة الدولار بالدرهم مؤقتاً لتوفير السيولة كبديل عن سحب استثماراتها من الولايات المتحدة. والمقصود الحصول على دولارات تتم إعادتها بعد انتهاء الأزمة. وقال ترامب ان الطلب الإماراتي قيد الدراسة، وطبعاً تراقب الدول الخليجية الأخرى ذلك وستحذو حذو الامارات إذا وافقت الولايات المتحدة على الصيغة. وقد توافق الولايات المتحدة لتجنب اضطرار شركائها على البيع غير المنظّم للأصول الأمريكية. والأرجح إذا حصلت الموافقة أن تعتمد على طباعة طارئة للدولار، وهو ما قد يرفع حدة الخلاف بين الادارة والبنك الفيدرالي الأمريكي. وفي كل الاحوال لا يمكن للوضع الخليجي ان يتحمل طويلاً توقف الواردات. فباستثناء السعودية المتوفرة على منافذ تصدير بديلة، وعمان الواقعة خارج القضية برمتها، تواجه دول الخليج الاربع الأخرى وضعاََ استثنائياً لم تشهد مثيلاً له منذ تشكيلها، وتواجه الولايات المتحدة المشكلة بنفس القدر وعليها إيجاد الحلول.
( اضحوي _ 2379 )
2026-05-09