الدول الخليجية هي الخاسر الأكبر من الحرب الأمريكية على إيران!
سماهر الخطيب
تمر المنطقة بلحظة بالغة الخطورة مع انتهاء المهلة الزمنية للهدنة الأمريكية الإيرانية، في حين أن التهديدات المتبادلة بالعودة إلى الحرب تعني أن الساعات القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كان المسار الدبلوماسي سينجح أو ستعود المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وقد أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران أن دول الخليج لم تكن بمنأى عن التداعيات الأمنية والاقتصادية الكبيرة لهذا الصراع، على الرغم من جهودها الدبلوماسية المكثفة لمنع اندلاعه. وبدلاً من التعويض، تمارس الولايات المتحدة الضغوط على الدول الخليجية لدفع تكاليف هذه الحرب، مما رفع سقف ردود الفعل الخليجية كتهديد الإمارات العربية المتحدة بأنها ستلجأ إلى استخدام اليوان الصيني في حال تفاقمت الأزمة في المنطقة.
تداعيات الحرب على دول مجلس التعاون الخليجي
أثبتت الحرب أن دول الخليج لم تعد قادرة على التمسك بسياسة الحياد، فوجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها جعلها، من منظور إيران العسكري، جزءاً من مسرح العمليات العسكرية. وقد كشفت المواجهة أن الافتراضات القائلة بأن المدن الخليجية يمكن أن تظل بمنأى عن الصراع الإقليمي واهية، بفعل هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة، مما جعل مدن مهمة مثل دبي وأبوظبي جزءاً من بيئة الصراع بدلاً من أن تكون على هامشها.
ففي اليوم الأول للحرب، استهدفت إيران دول مجلس التعاون الخليجي بحوالي 83% من مجموع هجماتها بالصواريخ والمسيّرات، حيث تلقت الإمارات وحدها عددًا من الهجمات يفوق ما تعرضت له إسرائيل. وقد امتدت الأهداف لتشمل البنية التحتية الحيوية مثل مصافي النفط والمناطق الصناعية والمطارات المدنية والفنادق ومحطات تحلية المياه، وهو ما دفع بعض شركات الطاقة الوطنية في البحرين والكويت وقطر إلى إعلان حالة “القوة القاهرة” لعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
الاقتصاد الخليجي بدوره، يعاني من تداعيات كارثية نتيجة الحرب، وأبرزها إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي 20% من النفط المنقول بحراً في العالم، مما أدى إلى انخفاض حجم الصادرات إلى أقل من 10% من مستويات ما قبل الحرب. كما عطّلت الهجمات المباشرة على المنشآت النفطية، سلاسل الإمداد وأطلقت تضخماً عالمياً في أسعار الغذاء.
أما أمنياً، واجهت الدول الخليجية تكلفة باهظة للدفاع عن أجوائها، فطائرة “شاهد” الإيرانية المسيّرة تكلف 20-50 ألف دولار، بينما صاروخ “باتريوت” المعترض لها يبلغ 3-5 ملايين، وقدّر إنفاق الإمارات على الدفاع الجوي وحده بنحو 2.6 مليار دولار أي 13 ضعف ما أنفقته إيران على الهجمات، مما يضغط بشكل هائل على الميزانيات ويستنزف المخزون الدفاعي.
التصدع في العلاقة مع الولايات المتحدة
كشفت الحرب عن شرخ عميق في العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة، حيث شعر القادة الخليجيون أن تحذيراتهم لإدارة ترامب قد تم تجاهلها لصالح رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شن عملية عسكرية كبرى ضد إيران. وقد أثار ذلك تساؤلات جدية حول جدوى “المبادلة الضمنية” التي استمرت لعقود والتي نصت على المظلة الدفاعية الأمريكية مقابل النفط الخليجي.
ودفعت هذه الحرب دول الخليج إلى إعادة التفكير جذرياً في ترتيباتها الأمنية والبحث عن شركاء جدد لتنويع تحالفاتها وتقليل الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة سواء في الدفاع أو الاقتصاد. وقد سعت الإمارات إلى تعزيز شراكتها الدفاعية مع الهند، كما ظهر تحالف جديد يضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان تحت مسمى “ستيب”.
ووفقًا لمسؤولين أمريكيين تحدثوا لصحيفة “وول ستريت جورنال”، فقد أبلغت الإمارات الولايات المتحدة بالفعل بأنها قد تُضطر إلى اللجوء إلى استخدام اليوان الصيني في معاملاتها النفطية في حال تفاقمت أزمة السيولة لديها نتيجة الحرب. وبحسب المراقبين، فإن الإشارة إلى إمكانية استخدام اليوان لم تكن مجرد تهديد سياسي، بل كانت تعبيراً عملياً عن بحث الإمارات عن حلول بديلة لضمان استمرارية تجارتها النفطية واستقرارها المالي في هذا الوضع. فإلى جانب الأضرار الجسيمة التي لحقت بعائدات النفط الإماراتية هناك مخاوف حقيقية من هروب رؤوس الأموال ونضوب الاحتياطي الأجنبي في البلاد.
موقف الولايات المتحدة من التعويضات
تطالب واشنطن حلفاءها الخليجيين بتحمل تكاليف الحرب، وهو ما يضع الجميع في مفترق طرق حاسم. حيث صرّح البيت الأبيض بأن الرئيس ترامب يفكر بجدية في مطالبة الدول العربية، بما في ذلك دول الخليج، بتحمل تكاليف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مستنداً في ذلك إلى سابقة حرب الخليج عام 1990 عندما ساهمت دول مثل السعودية والكويت والإمارات في تمويل العمليات العسكرية.
هذا الموقف الأمريكي يتناقض مع ما تتوقعه الدول الخليجية، التي تضررت بنيتها التحتية بشكل مباشر نتيجة الهجمات الإيرانية الانتقامية التي استهدفت القواعد الأمريكية على أراضيها، مما جعلها هدفاً بالوكالة عن واشنطن. وقد أكد محللون أن دول الخليج لم تطلب من أمريكا خوض هذه الحرب أصلاً، بل على العكس، دعت إلى التهدئة والدبلوماسية قبل اندلاعها، مما يجعل محاولة تحميلها الفاتورة أمراً مثيراً للجدل.
وقد ركزت تحركات الإمارات على طلب دعم مالي احترازي (مثل خطوط المبادلة) لتجنب انهيار اقتصادي، وهو ما يعكس إدراكاً من أبوظبي بأن مطالبة واشنطن بتعويضات مباشرة قد لا تكون مجدية سياسياً في ظل ميزان القوة الذي يميل لصالح الولايات المتحدة. بينما التهديد باللجوء إلى اليوان الصيني هو ورقة ضغط مالية واحترازية منها لضمان حصولها على دعم أمريكي سريع لتجاوز أزمة سيولة محتملة.
وفي النهاية، يُشير المحللون إلى أن الحرب الحالية تمثل “محطة فارقة” لدول الخليج، حيث لم يعد يُنظر إليها كملاذ آمن في منطقة مضطربة. وقد صرّح أحد المستثمرين المخضرمين في المنطقة بأن “تصور دول الخليج كملاذات آمنة قد تحطم وسيكون من الصعب استعادته لبعض الوقت”. في حين برزت دول الخليج كخاسر استراتيجي من الحرب بغض النظر عن نتيجتها، حيث وجدت نفسها في موقع لا تحسد عليه، فهي إما أن تكون جزءاً من تصعيد لا تستطيع السيطرة عليه، أو أن تدير التهديد بحكمة استراتيجية، تجعلها تحصل من الولايات المتحدة ما تستطيعه من تعويضات.
2026-04-23