هل لا تزال النهايات بعيدة؟
سعادة مصطفى أرشيد*
تحفل يوميات الحرب الإيرانية الأميركية بالمفاجآت غير المتوقعة، تلك التي يتفاءل بها الرغبويون، خاصة عندما أعلن ترامب، وبشكل مفاجئ، عن وقفٍ لإطلاق النار والشروع في مفاوضات في إسلام آباد، وأعقب ذلك القبول الإيراني وإعلان طهران عن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، فانخفض سعر البترول بشكل كبير خلال ساعات وانتعشت الأسواق، في حين افترضت أطراف الحرب غير المؤثرة على الساحل المقابل للخليج بأنّها استطاعت بقوتها وجبروتها إجبار إيران على فتح المضيق، لكن ذلك كله سرعان ما ذهب أدراج الرياح.
من المفروض أن المفاوضات قد عادت من جديد إلى إسلام آباد، ولكن باكستان تتهم واشنطن بخرق الهدنة، وبالتالي وضع عراقيل أمام التفاوض، الأمر الذي سيتكرر في أي جولة مفاوضات مقبلة تعقد بين طهران وواشنطن، إذ تحدث حالة مؤقتة وقصيرة من التفاؤل لا تلبث أن يعقبها التصعيد، وفي غالب الأمر العودة إلى الحرب.
هذه الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة وحدّدت أهدافها على أنها إسقاط النظام وشطب المشاريع الطموحة لإيران في المجالين النووي والصاروخي، ووقف امتداد إيران الإقليمي وتحويلها إلى دولة منكفئة على نفسها تلهث لتأمين الخبز والرواتب لمواطنيها، ولكن سرعان ما سارت، بفضل أداء السياسة الإيرانية، باتجاهات جديدة، إلى أزمة تنال من الاقتصاد العالمي وتزويدات الطاقة والقوانين الدولية المتعلقة بأعالي البحار والمضائق البحرية. في حال النظر إلى أوضاع طرفي الحرب بعد أن قاربت الخمسين يومًا، نرى أن واشنطن هي الأكثر حاجة للتهدئة والدخول في مفاوضات تنهي حالة الحرب. افترض الأميركي أن الحرب ستنتهي خلال أيام بعد اغتيال القيادة الإيرانية وضرب مجموعة من الأهداف الحيوية، ثم قام بتمديد الفترة المفترضة إلى بضعة أسابيع تنهار فيها إيران، الأمر الذي لم يحصل، وإنما الذي حصل أن تحولت الأزمة إلى أزمة طاقة عالمية وقادت إلى ارتفاعات في الأسعار، لا في النفط فحسب، وإنما في كل السلع وسلاسل التوريد. وجاء موقف الناتو وأوروبا ثم كندا، الذي احتمل التنمر الأميركي، ليمثل صفعة مباشرة برفضهم المشاركة في مغارم الحرب التي أراد ترامب أن يتشارك مع نتنياهو مغانمها، لو حصلت، أن تذهب فقط لواشنطن وتل أبيب، الحليف الوحيد الموثوق، وهذا كله من شأنه أن يؤثر على الانتخابات النصفية القريبة في الولايات المتحدة ويجعل من فوز الجمهوريين بها أمرًا من الصعوبة بمكان.
طهران، بالمقابل، والتي تملك من السلاح ما لا يمكن مقارنته بالسلاح الأميركي، بالكم وبالنوع، إلا أنها تملك القدرة على الاحتمال والصبر، ولها تجربة في ذلك منذ عام 1979، ولديها أيضًا التجربة والقدرة على إدارة الصراع بما يجعل من الحرب طويلة تستنزف خصومها، لا عسكريًا واقتصاديًا فحسب، وإنما تعمل أيضًا على تآكل مكانتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار، وهي قادرة على الصمود لفترات قد تبدو طويلة. ونزولها عن محدداتها سيكون محسوبًا بدقة وحد أدنى، ففي غالب الأمر لن تتجاوز طهران حدًا أدنى، وهي تدرك أن المشروع الصاروخي بعيد المدى هو الحامي لها، وأنه السلاح الأهم لأمنها القومي وما أنقذها في هذه الحرب. وهي تدرك، بالمقدار ذاته، أن المشروع النووي الإيراني يمثل مصلحة قومية عليا لها علاقة بالتنمية والتطور، إضافة إلى أن التخلي عنه يمس بالكرامة الإيرانية، وهي تعرف تمامًا ما جرى للزعيم الليبي معمر القذافي إثر تخليه عن مشروعه النووي وكيف كانت نهايته غير الكريمة. بالتالي فإن إيران لن تقبل بإخراج اليورانيوم عالي التخصيب، ولكن قد تقبل بهوامش كالتوقف عن التخصيب العالي ووضع محدّدات لذلك. وإيران تدرك، ولا شك، اليوم الفرق بين الحليف الزبائني والحليف الحقيقي الذي شاركها المعركة، خاصة المقاومة اللبنانية واليمن، ولن تتخلّى عنهما، وهي ترى أن مضيق هرمز هو مضيق إيراني لا يمكن القبول بسيادة واشنطن أو أي جهة دولية عليه، ولكنها ستكون مستعدة للوصول إلى تفهم دولي لإدارة الملاحة عبره.
من هنا يمكن القول إن ظروف التفاوض الجدّي لا تزال غير ناضجة، وإن ما يجري أقرب إلى (بروفات) للتجربة، فيما يحتاج الإنضاج الحقيقي لظروف التفاوض إلى جولات قتال جديدة ليقتنع دونالد ترامب أن المسائل التفاوضية هي نتاج لما يجري في ميادين الحرب وتحقيق الأهداف التي أعلنها، لا تلك التي يدّعيها في المؤتمرات الصحافية وأمام الفضائيات التي بموجبها يظن أنه قادر على فرض إملاءاته.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير – جنين – فلسطين المحتلة
2026-04-23