الخطيئة الإستراتيجية!
مهدى مصطفى
وقع العالم فى الخطيئة الإستراتيجية، وفى المنطقة العمياء من التاريخ، ضغطة زر واحدة فى لحظة ميتة سحبته إلى الجحيم، وفكرة واحدة عن حرب العقائد والطوائف ومجانين الخرافات أنهت مسيرة الحضارة والثقافة الإنسانية، وأعادته إلى ما قبل عصر الإمبراطوريات، حين كانت الإغارة جزءا من حياة البشر قبل التحضر، وما قبل الارتكان إلى قوانين استبطنها البشر لكى يتعايشوا، وعادوا إلى ما قبل الاتصال بالسماء عبر الأنبياء والوحى، وإلى ما قبل عصر النهضة.
مات الفيلسوف الألمانى يورجن هابرماس، الذى رفض أن يدين الإبادة الإسرائيلية فى غزة، لنكتشف أن الرجل الذى تلوكه ألسنة المثقفين، حين وضع موضع الاختبار، كشف جوهرا غربيا متعاليا، فاقدا للحس الإنسانى، وكذلك نعوم تشومسكى صديق جيفرى إبستين، ومعه أسماء أخرى من فلاسفة الغرب التنويريين الذين بدت مواقفهم أقل اتساقا مع القيم التى بشروا بها.
فشلت إستراتيجية تغيير الأنظمة مرة ومرات، صحيح أنها نجحت شكلا فى غزو أفغانستان 2001، والعراق 2003، وفى إسقاط أنظمة، أو زعزعة أخرى، عبر موجة ما يسمى الربيع العربى 2011، لكنها خلفت وراءها فوضى عارمة، وفشلت مؤسسات ما يسمى حقوق الإنسان والمنظمات الأهلية، رغم نجاحها الظاهرى فى تفكيك البنى السياسية القديمة لصالح الغرب، أقول فشلت فى تقديم نموذج بديل قادر على الاستقرار أو إعادة بناء الدول.
كانت الإغارة الطويلة التى قادتها إسرائيل، كوكيل معتمد فى المنطقة، جزءا من لعبة وصلت مداها فى صباح يوم 28 فبراير 2026، حين اقتربت النيران من «الخليج»، أهم شريان حيوى عالمى للطاقة، فصار الأمر أشبه بكارثة، وبدأ مشعلو الحرائق يتوسلون طريقا آمنا للخروج.
اليوم التالى لبداية هذه الحرب الملعونة لن يشبه ما قبله، ستتغير قوى وتتلاشى أخرى، وتنتهى أفكار، لقد أشعلوا عود الثقاب عبر تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعى، وكأن الموت لعبة ذكاء اصطناعى، وها هو حلف شمال الأطلسى، الذى استبعد الدخول فى الحرب فى البداية، مطالب بأن يأتى، وها هى القوى المتضررة من انقطاع النفط مطالبة بالحضور إلى مضيق هرمز الخليجى، وها هى اللعبة تتكشف، المسألة ليست فى الخرافة أو السماء أو الأحلام الجنونية، إنما فى الممرات البحرية والبرية وقطع شرايين العالم، فى وقت صار فيه العالم كله ضمن شبكة عولمة اقتصادية اعتمادية، لكن الأحلام الوهمية أخذته إلى اللعبة الكبرى.
شاء حظ الإقليم العربى أن يعانى هشاشة عميقة، تسببت فيها الإغارات المستمرة، والثورات الملونة، وتمركز قوى “عميلة” كمرابط عصبية داخل المجتمعات، فلم يجعل من نفسه قوة مركزية عظمى، رغم مساحته التى تصل إلى نحو أربعة عشر مليون كيلومتر مربع، ورغم طاقته الحيوية وموقعه الإستراتيجى وإنتاجه للحضارات والأديان، وكل هذا لم يشفع له أن يصبح الرقم الأهم فى العالم.
فشل أصحاب نظرية قطع الرؤوس سريعا وإعلان النصر، وغرقوا فى المستنقع، وكان يمكن لعقلاء الإقليم أن يمنعوا هذا الجنون قبل أن يقع، لكن “خيار شمشون”، ذلك الخيار الانتحارى الذى يهدد بإحراق الجميع، صار ما يملكه المتحاربون من طرفين يريدان تصفية العالم بذرائع جنونية شتى.
وإذا ما أقدمت الأطراف على حرق المراحل مرة واحدة، وإلى الأبد، فلن يبقى حتى نظام دولى محتمل، فمن كان يصدق أن تذهب أمريكا وإسرائيل إلى حرب دون الاستعانة بأوروبا، الحليف التاريخى فى الحروب؟ ومن كان يصدق أن عدة حروب تشتعل فى أطراف العالم، وتصبح هامشية رغم شلال الدماء؟ ومن كان يصدق أن جنون التواصل الاجتماعى والذكاء الاصطناعى قد يأخذ العالم إلى لعبة صفرية نهائية؟
إنها الخطيئة الإستراتيجية بالفعل، والكارثة الأخطر من الحربين الأوروبيتين السابقتين، فهل هناك من مخرج؟
نعم، يوجد مثل هذا المخرج، حين نبادر، ونقفز فوق الأسوار الشائكة والوهمية، ونتحرر من الخرافة.
2026-03-18