تداعيات حرب الشرق الأوسط:
البريطانيون يدفعون فاتورة جنون ترامب
تدفع بريطانيا فاتورة باهظة للعدوان على إيران، حيث تتشابك أزمات الطاقة والغذاء لتعمق المعاناة المعيشية للمواطنين وسط تخبط استراتيجي للحكومة وبدايات تورط عسكري قد يكون مكلفاً
سعيد محمد*
أمام الصمود الإيراني المستمر في مواجهة العدوان الأمريكي-الإسرائيلي، وانحسار الآمال بحسم سريع للصراع، تقف المملكة المتحدة في خضم عاصفة من الآثار المتدحرجة والمحتملة التي تضرب اقتصادها على المديين القصير والمتوسط.
وتتشابك تداعيات مسرح العمليات في الشرق الأوسط مع أزمات طاحنة في قطاعي الطاقة والأمن الغذائي العالميين، ما يحمل الموازنات العامة المنهكة تكاليف باهظة ويضع الاستقرار المعيشي للبريطانيين العاديين وتفاصيل حياتهم اليومية تحت ضغط هائل، فيما دفعت القفزات الجنونية في أسعار الوقود واضطراب سلاسل التوريد إلى إطلاق مناشدات عاجلة للسائقين لتقليص رحلاتهم لتوفير النفقات، بالتزامن مع تحذيرات جدية من ركود اقتصادي عالمي وانهيار أسهم الشركات في العديد من القطاعات.
وتعاني الأسواق الغربيّة بشدة من تبعات الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي تعبر من خلاله حوالي ربع إمدادات النفط والغاز العالمية. وكسرت أسعار خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، مسجلة 119.50 دولاراً مع فتح الأسواق أمس الإثنين، قبل أن تستقر التداولات اللاحقة قرب مستويات مرتفعة تتجاوز 106 دولارات للبرميل. وانعكس هذه الارتفاعات مباشرة على أسعار التجزئة في محطات الوقود البريطانية التي لوحظت صفوف طويلة تتجمع أمامها سعياً لملء خزانات المركبات قبل ورود الإمدادات الجديدة بأسعار أعلى.
وانسحب هذا الاضطراب على أسعار الغاز في المملكة المتحدة، التي ارتفعت أمس ب19 بالمائة ما وضع صانعي السياسات في بنك إنجلترا أمام معضلة حقيقية، مجبراً إياهم على تجميد خطط خفض أسعار الفائدة المتوقعة سلفاً، نتيجة تنامي المخاطر التضخمية. وتعتمد المملكة المتحدة على الغاز لتوليد 30% من شبكة الكهرباء الخاصة بها، ولتدفئة 70% من المنازل، ما أعاد إلى الأذهان حزمة الإنقاذ المكلفة التي أقرتها رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس عام 2022 بتكلفة تجاوزت 100 مليار جنيه إسترليني للتخفيف من تأثير أزمة الطاقة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، ووضع وزيرة الخزانة الحالية راشيل ريفز تحت ضغط هائل لابتكار حلول مالية مشابهة.
وتحذر مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، من خطورة الوضع، مشيرة إلى قاعدة اقتصادية صارمة تؤكد أن ارتفاع أسعار الطاقة يضيف نقاطاً أساسية إلى التضخم العالمي، ويخفض النمو الاقتصادي بشكل ملموس. وتتوقع المعاهد الاقتصادية تراجع نمو الدخل القومي في بريطانيا إلى أقل من 1 بالمائة، وتراجع النمو في منطقة اليورو بالجوار، مما يعمق الضغوط الاقتصادية ويطيل أفق التعافي المأمول.
وتمتد ارتدادات العدوان الأمريكي-الإسرائيلي لتمس أسس الأمن الغذائي العالمي والأوروبي. إذ تعتمد الزراعة العالمية، المنتجة لنصف الإمدادات الغذائية للبشرية، على الأسمدة النيتروجينية المصنعة في دول الخليج، والتي تعبر مضيق هرمز للوصول إلى المزارعين. وتساهم قطر والسعودية والإمارات والبحرين وإيران في تصدير أكثر من ثلث الإنتاج العالمي من سماد اليوريا، ونحو ربع إنتاج الأمونيا.
وقد أدى توقف حركة الملاحة واستهداف البنية التحتية للطاقة، وتوقف منتجين رئيسيين مثل “قطر للطاقة”، إلى قفزة هائلة في أسعار الأسمدة. وارتفعت أسعار اليوريا في أسواق التداول بنسبة تفوق 35% خلال أيام معدودة. ويهدد هذا الارتفاع المحاصيل الربيعية في نصف الكرة الشمالي، منذراً بارتفاع حتمي ومؤكد في أسعار المواد الغذائية على رفوف المتاجر البريطانية والأوروبية، ومضاعفاً أزمة تكلفة المعيشة التي تستنزف ميزانيات الأسر منذ الأزمة المالية العالمية في 2008. وتتفاقم الأزمة بإضافة تعقيدات تتعلق بمادة الكبريت، الضرورية لصناعة الأسمدة الفوسفاتية، حيث يقبع نصف المخزون العالمي منها حالياً في الجانب المحاصر من مضيق هرمز، دافعاً الأسعار نحو مستويات قياسية تزيد من أعباء المزارعين.
وكانت العدوان الذي تسبب بضربات متبادلة استهدفت البنية التحتية للطاقة على جانبي الخليج، في إطلاق موجة هجرة عكسية سريعة ومربكة من المنطقة. ودفعت الهجمات المتكررة عشرات آلاف المغتربين البريطانيين – لا سيما من المهندسين وذوي الياقات البيضاء – للفرار من منطقة الخليج والعودة إلى بلادهم بحثاً عن ملاذ آمن. وأعلنت الخارجية البريطانية أن أكثر من مائة ألف بريطاني من أصل حوالي 300 ألف بريطاني يقيمون في دول الخليج قد سجلوا لديها طلباً للمساعدة في إخلائهم.
وتضاعف هذه العودة الجماعية المفاجئة الضغط على قطاعات الإسكان والرعاية الصحية وسوق العمل في بريطانيا، وهي قطاعات تعيش أزمات هيكلية خانقة. وتتطلب إدارة إعادة دمج هذه الكفاءات وتوفير الخدمات الأساسية لها موارد مالية ضخمة تزيد من أعباء الخزانة العامة. وتفقد بريطانيا كذلك تدفقات نقدية مهمة متمثلة في تحويلات هؤلاء المغتربين التي كانت تدعم الاقتصاد المحلي، مبدلة إياهم من مصادر للعملة الصعبة إلى باحثين عن فرص عمل وخدمات حكومية في سوق يعاني ركوداً تضخمياً.
ويواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر انتقادات حادة وعاصفة جراء سوء إدارته لهذه الأزمة المتصاعدة. ووصف مراقبون مواقفه المتذبذبة بـ “التخبط الاستراتيجي”. وكان ستارمر قد رفض في البداية طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدام القواعد الجوية البريطانية لشن ضربات أولية على طهران، محاولاً النأي ببلاده عن الصراع، قبل أن يتراجع لاحقاً أمام الضغوط الدبلوماسية، سامحاً للقوات الأمريكية باستخدام تلك القواعد، رغم أن ذلك لم يعفه من السخرية العلنية للرئيس الأمريكي.
وتسبب موقف الحكومة المتناقض بغضب عارم في الأوساط السياسية بشقيها اليميني واليساري. وبينما يطالب زعيم حزب الخضر – يسار الوسط – زاك بولانسكي، المنتشي بفوز حزبه مؤخراً في انتخابات فرعية، بوقف تام لاستخدام القواعد البريطانية في مساندة العدوان على إيران، يصر زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج وزعيمة المحافظين كيمي بادينوك على ضرورة حسم التردد والالتحاق بالقطار الأمريكي-الإسرائيلي.
وتعكس استطلاعات الرأي حجم الاستياء الشعبي جراء هذا التخبط؛ حيث أبدى 60% من البريطانيين غضبهم من أداء رئيس الوزراء، ورفضت الأغلبية الساحقة فكرة تحول بريطانيا إلى طرف مباشر في الحرب، مفضلين تركيز الجهود الحكومية على إنقاذ الاقتصاد المحلي المترنح.
وفي موازاة الانعكاسات الاقتصادية، تنزلق بريطانيا تدريجياً نحو مستنقع العمليات العسكرية المباشرة، ما يستنزف ميزانية وزارة الدفاع والمخصصات السنوية الاعتيادية على نحو سيفرض أعباء جديدة على دافعي الضرائب في وقت تعالت فيه أصوات النقابات العمالية والبرلمانيين مطالبة بتخصيص حزم دعم مالي عاجلة لإنقاذ الأسر والشركات الصغيرة من الإفلاس المحقق بسبب فواتير الطاقة المتضخمة، بدلاً من توجيه الأموال لتمويل ماكينة حرب خارجية تزيد من تعقيد المشهد الدولي، وتعمق أوجاع البريطانيين الأقل حظاً.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-03-11