تونس : ما الذي يمنع المعارضة من التوحّد ؟
بقلم أحمد الحباسى*
لعلّه أحد الأسئلة الحارقة و المهمة التي يتم تداولها في الأذهان و في وسائل الإعلام دون أن يقدم لها أحد من الفاعلين السياسيين جوابا رغم قناعتهم و لو ظاهريا بأنه لا يمكن مواجهة غطرسة النظام القائم بمثل هذا المشهد المتشرذم و المثير للغثيان في بعض غالب الأحيان . يترقى الساسة في مستوى الوعي السياسي كما يترقون في كيفية و سرعة التقاط اللحظات و المحطات السياسية و التاريخية ، فمن هؤلاء من يأتي للسياسة سنة أولى و منهم من يجتهد و يبلغ السنة الثانية و الثالثة و كأنهم في مقاعد الدراسة و منهم من يرسب و منهم من يتأخر إلى الوراء ليعود إلى الجاهلية و الأمية السياسية أو يطرد تماما كما يطرد من فشل في الدراسة . في الحقيقة نخبنا السياسية أو من تصبغ على نفسها هذا الوصف نخب متكلسة نابذة للديمقراطية تقودها رموز مفلسة خاوية لا تملك من مقومات الوجود السياسي إلا بعض العبارات المعتلة الفاترة و بعض الشطحات البهلوانية المكررة و كثيرا من الحشو اللغوي الذي لا يصلح في عهد الذكاء الاصطناعي و الذي أكل عليه الدهر و شرب .
لعل أهم ملاحظة هي عدم وجود زعيم سياسي عليه ” القيمة ” كما يقول إخواننا في مصر ، زعيم قادر على جرّ الملايين وراءه بإقناعهم بخطاب و مشروع سياسي جامع و متكامل و قابل للحياة ، زعيم قادر على تحويل الملايين من قوة راكدة صامتة إلى قوة هادرة فاعلة ترتقي بفضل ذلك الخطاب المحفّز من مستوى بسيط إلى مستويات أفضل بفضل الحراك و التفاعل المستمر لان المعلوم أن الشعوب لا تتحرك تلقائيا إلا في لحظات قليلة و تحتاج دائما إلى ساسة و مثقفين تسيّر تلك التحركات بدقة سير الساعة لتتحول تلك التجمعات البشرية الساخطة بسبب الفقر و البطالة و غياب حرية التعبير و انسداد الأفق من تجمعات راكدة غير ” منتجة ” سياسيا و غير مستقرة في توجهاتها و آراءها إلى قوة معتدة بنفسها قادرة على التغيير بالوسائل السلمية الديمقراطية دون المسّ من المؤسسات بمختلف أنواعها . لا يحتاج الملاحظ اليوم إلى نظارات كاشفة ليصل إلى قناعة راسخة بأن الغالبية العظمى من رموز السياسة قد انتهت مدة صلاحيتهم القصوى دون أن يقدموا أثرا شفع لهم بل أن أغلبهم مكانه السجن و يستحق المحاسبة سواء لتورطه في ممارسة الإرهاب أو تسفير الإرهابيين أو إنشاء غرف الاغتيالات أو نهب المال العام أو ممارسة الشذوذ السياسي داخل السفارات الأجنبية أو في دكاكين المخابرات المتآمرة على تونس .
حين تشاهد بعض المظاهرات و تسمع كثيرا من التصريحات هذه الأيام ربما تتساءل هل أن دعوة هؤلاء لتوحيد المعارضة و لمّ الصفوف و تجاوز الخلافات و البحث عن قواسم تعايش مشتركة هي دعوة ناضجة صادقة واعية تغلب المصلحة العليا للوطن و متطلبات اللحظة السياسية الراهنة على المصالح الحزبية و الفردية الضيقة و هل أن هؤلاء الداعين للوحدة صادقون قد تخلصوا فعلا من حالة الأنا الضيقة و الغرور السياسي الصبياني المفرط رغم أن كافة المحطات الانتخابية منذ ما يسمى بالثورة قد أثبتت أنهم يستحقون وصفهم بمعارضة و ساسة الصفر فاصل ؟. على سبيل المثال لا الحصر لعل السؤال الذي يتبادر بقوة إلى الذهن حين ترى هؤلاء الساسة يمدون طوق النجاة لزعيم حركة مارس طيلة حياته هواية الاغتيال و التآمر و الخيانة و لا يزال إلى ألان يرفض التوبة و القيام بالمراجعة النقدية فهل هذا هو الطريق الأمثل للتوحيد ؟ هل يتطلب توحيد المعارضة ممارسة الزنا السياسي و مجالسة طيف تكفيري ملطخ بدماء الأبرياء .
إن مفهوم المعارضة في حد ذاته هو مفهوم تقدمي ديمقراطي حضاري نبيل فكيف يمكن أن تجتمع آراء متفتحة ديمقراطية تدافع عن ديمومة الوطن مع فكر قروسطى منغلق تكفيري يؤمن بدولة الخلافة و ينبذ الديمقراطية و حرية المرأة ؟ . لماذا تصر قيادات اليسار علنا و خفية على مدّ يدها تحالفا مع حركة النهضة لتعتبر قياداتها المتآمرة على الوطن رموزا وطنية أو قياديين سياسيين محتجزين و هم في الحقيقة و الواقع رموزا لأتعس حقبة عاشتها تونس تم فيها اغتيال الوطن بدم ببارد و سابقيه إضمار و خسّة لا متناهية ؟ . لماذا يختار اليسار دائما الطريق و الفكرة و التوجه الخطأ ؟ كيف يقبل هؤلاء التحالف أو تبنى الفكر التكفيري الدموي الذي اغتال الشهيدين شكري بلعيد و محمد البراهمى ؟. لماذا يسعى هؤلاء بعلّة منافقة اسمها توحيد صفوف المعارضة لتعطيل عملية محاسبة هؤلاء الأشرار بل كيف يريد اليسار بناء معارضة نابضة موحدة و الحال أن دماء الأبرياء ممن اغتالتهم يد الغدر التكفيرية من أفراد المؤسستين العسكرية و الأمنية لا تزال تنادى القصاص ؟.
ربما يتحدث رموز اليسار و بعض المؤلفة قلوبهم مع حركة النهضة الموصومة بالإرهاب و التكفير على توحيد المعارضة و لكن من الواضح أنها لا تقصد بالمعارضة إلا رموز الفكر التكفيري و بعض الموتورين التابعين للسفارات الأجنبية و بعض رموز الفكر النقابي الفاشل فاليسار الذي يتشدق بشعار الوعي بأن اللحظة للتوحيد قد حانت لم يبلغ في الحقيقة نزرا و لو قليلا من الوعي الحقيقي الصادق بل لم يبلغ حتى مستوى سنة أولى وعي و لا مدرسة الصدق التي تجعله يستشعر أن المتابعين للشأن السياسي قد تفطنوا أنه مثل دائما قوة جرّ إلى الوراء و لم يخضع للتلقيح ضد النفاق السياسي الذي جعله مجرد هيكل كارتوني متأخر بسنوات ضوئية عن مطامح الشعب. ربما ينافق اليسار بحديثه عن ضرورة التوحيد و في تقدير المتابعين أنه لم ينتبه إلى أنه يجهل حقيقة معناه فهو يكتفي دائما بإطلاق الشعارات الرنانة طمعا في نيل الانتباه حاصدا في النهاية و مراكما الخيبات تلو الخيبات . إن الأعمال بالنيات لكن الظاهر أن نيات اليسار ملوثة و ملطخة بعرق النفاق و أدران الماضي الملتبس لهذا الكيان الذي لعق من كل الصحون و لذلك نحتاج و نفتقد اليوم إلى قامة مناضلة جامعة اسمها شكري بلعيد .
كاتب و ناشط سياسي .
2026-01-21