أوروبا – الفساد في أعلى هرم السّلطة!
الطاهر المعز
تُوزّع الدّول الأوروبية وكذلك مُفوّضية الإتحاد الأوروبي الجوائز أو لوائح اللَّوْم والتّوْبيخ على أنظمة الدّول الواقعة تحت الهيمنة، وتدّعي أوروبا إنها معقل الدّيمقراطية والشفافية والحَوْكَمَة لكنها في حقيقة الأمر وكْر فساد.
في فرنسا، يُمثل انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسًا سنة 2007 ( حتى 2012) سابقة تاريخية سيئة جدًّا لأنه كان وزيرًا للدّاخلية ( هل انتخب شعب آخر وزيرًا للداخلية ليصبح رئيسًا؟) تميّز ببذاءة القَوْل والفِعْل، وهاجم الصحافيين والقُضاة بشكل استفزازي، ولما قضت محكمة فرنسية في باريس بسجنه – وهي ثاني قضية يُدان فيها ساركوزي – بسبب الفساد والرّشوة، تضامن معه قادة الأحزاب المُمثّلة في البرلمان واستقبلة الرئيس إيمانوزيل ماكرون قبل دخوله السجن – لفترة ثلاثة أسابيع فقط، بدل قضاء خمس سنوات – وفي السّجن زاره وزراء في الحكومة الحالية وأثار الحُكم القضائي سُخط وسائل الإعلام ومعظم السياسيين، في إشارة إلى زَيْف شعار “المُساواة” وزيف ادّعاء “استقلالية القضاء”، حيث يُمْنع على المواطنين نَقْد الأحكام القضائية ألاّ عندما يتعلّق الأمر بنيكولا ساركوزي وأمثاله…
أما إيمانويل ماكرون فلم يكن معروفًا لدى الجمهور قبل أن تتعهّد شركة الإستشارات “ماكنزي” الأمريكية العابرة للقارات بالإشراف على حملته الدّعائية له ليصبح رئيسًا لثاني اقتصاد أوروبي…
بدأت العلاقة بين شركة الإستشارات الأمريكية العابرة للقارات “ماكنزي” وإيمانويل ماكرون، سنة 2007، عندما تم تعيينه نائبا لمقرر لجنة “جاك أتالي” ( مستشار فرانسوا ميتران سابقًا)، المُكلّفة باقتراح إصلاحات اقتصادية على الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، وانضمّ ماكرون إلى مجلس إدارة فريق التّحليل في ماكنزي سنة 2010، بتوصية من دوائر صندوق النقد الدّولي، ومن مكتب رئيسه السابق دومينيك شتراوس كان، وزير الإقتصاد الفرنسي الأسبق
كانت شركة الاستشارات الأمريكية “ماكنزي” وراء تأسيس حزب ماكرون “إلى الأمام!” سنة 2016، وصنعت من إيمانويل ماكرون شخصية سياسية بفعل الترويج له في وسائل الإعلام، ليتمكّن هذا “المُنْتَج الإعلاني” من خوض حملة الإنتخابات الرئاسية سنة 2017 وتم تكليف شركة (LMP ) التي يملكها موظف سابق في ماكنزي، وهو من المُقرّبين لإيمانويل ماكرون، بجمع ومعالجة بيانات وسياسات الحزب الجديد، بهدف إعداد برنامج للحزب وصياغة سياساته، لأن الحزب “وَهْمِي” بلا مناضلين ولا قيادة ولا هياكل أو مؤسسات، بل آلة إعلامية في خدمة شخص يخوض انتخهابات ليُصبح رئيسًا، وبعد أسابيع قليلة من إعلان ماكرون ترشحه، بدأت مكانزي تُعِدّ اجتماعات مجموعات العمل سنة 2016، لصياغة برنامج سياسي واقتصادي يدعم ترشّح ماكرون، وبعد فوزه في انتخابات 2017، جنّد إيمانويل ماكرون مستشاري شركة “ماكنزي” ليستولوا على عمل الحكومة، وفق صحيفة “لوموند” الفرنسية بتاريخ الخامس من شباط/فبراير 2021، واثارت الصحيفة دَوْرَ شركة الإستشارات الأمريكية “ماكنزي” في إعداد وتوجيه الإشهار لحملات التطعيم ( ضد فيروس كورونا) في فرنسا وفي العديد من البلدان الأوروبية وارتباطات المفوضية الأوروبية بهذه الشركة، ورفضت الحكومة الفرنسية الكشف عن المبالغ التي حصلت عليها ماكنزي بشأن حملة التطعيم أو الحملات الأخرى العديدة التي كلّفها بها إيمانويل ماكرون وحكومته، وهي حملات مشبوهة أدّت إلى تغريمها في الولايات المتحدة بمبلغ 573 مليون دولارا ( شباط فبراير 2021) “لدورها في أزمة المواد الأفيونية التي أدت إلى وفاة 400 ألف أمريكي بسبب جرعات زائدة”، وأشار موقع صحيفة “لوفيغارو” اليمينية الفرنسية ( 06 تشرين الثاني/نوفمبر 2025) إلى تفتيش الشرطة الفرنسية مكاتب شركة “ماكنزي” عدّة مرات، بإذن من قاضي التحقيق في إطار تحقيق بشأن تورط الشركة المحتمل في عمليات غير قانونية خلال الحملتَيْن الرئاسيتيْن لإيمانويل ماكرون، سنة 2017 ثم سنة 2022، وأثارت هذه القضية لجنة برلمانية منذ سنة 2022، عندما وصفت تعاون الحكومة مع شركات استشارية خاصة بأنه ظاهرة متنامية، وتم اتهام ماكرون من قِبَل أحزاب ونواب المعارضة “بمحاباة شركة ماكنزي، فضلا عن عدم شفافية الإقرارات الضريبية للشركة” التي استفادت من إعفاءات عديدة غير قانونية، وساعدها إيمانويل ماكرون على الإفلات من الرقابة ومن المتابعة، وأفاد تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إن الفرع الفرنسي لشركة الإستشارات “ماكنزي” لم يدفع ضريبة الشركات لمدة عشر سنوات تقريبا، من سنة 2011 إلى 2020، وشكّل هذا التقرير منطلقًا للتحقيق الجنائي واحتمال المتابعة القضائية، وأدى التحقيق إلى تفتيش منازل مسؤولين تنفيذيين سابقين في شركة ماكنزي، والوزارات التي “استفادت” من مشورة الشركة، بهدف “تحديد ما إذا كان هناك تمويل غير قانوني…
جاءت هذه التفتيشات متأخرة، بعد انحدار شعبية الرئيس الفرنسي وحكوماته المتعددة، وقبل الإنتخابات العامة التي وجب إجراؤها خلال شهر أيار/مايو 2027، وقد يواجه إيمانويل ماكرون مصير ساركوزي الذي لم يقض سوى ثلاثة أسابيع في جناح خاص بالسجن، من عقوبة مدتها خمس سنوات لكنه انتهى سياسيا، وأصبح شخصية مُسْتَهْلَكة يُلْقى بها في مكَبّ النّفايات، كما تُشير هذه القضية إلى تحكّم شركات العلاقات العامة ( الإستشارات) وشركات الإعلام الكبرى في مجرى الإنتخابات وفي إعداد برامج المُرَشَّحين وحملاتهم الإنتخابية بل أنشأت “ماكنزي” حزبًا على مقاس إيمانويل ماكرون، للفوز بالانتخابات، برعاية مجموعة “روتشيلد” المالية التي وظّفت إيمانويل ماكرون قبل تعيينه من قِبَل الرئيس فرانسوا هولند ( الحزب “الإشتراكي”) وزيرًا للإقتصاد في حكومته التي لا تختلف سياساتها عن اليمين، برعاية نفس الشركات العابرة للقارات، سواء في فرنسا أو غيرها من الدّول الأوروبية، فقد اندلعت فضيحة شركات الاستشارات في ألمانيا سنة 2018، وطالت وزارة الحرب عندما كانت أورسولا فون دير لاين وزيرةً لها، ورُصدت عشرات المخالفات في توظيف الوزارة لمستشارين خارجيين كانوا يتحكمون فعليًا في الوزارة، ومعظم هؤلاء المُستشارين ينتمون إلى شركة ماكنزي التي كانت تُوَظِّفُ ابن الوزيرة أرسولا فون دير لاين التي استدعتها لجنة تحقيق برلمانية ألمانية للإدلاء بشهادتها، وتم استجوابها لمدة خمس ساعات، واستمرت فون دير لاين في تبجيل شركة ماكنزي واستمرت في تفضيل التّعامل معها لما أصبحت رئيسةً للمفوضية الأوروبية، كما استمرت في التعامل بطرق مَشْبُوهة مع شركة الأدوية فايزر الأمريكية العابرة للقارات، وعقدت معها صفقة مشبوهة لشراء 1,8 مليار جرعة من لقاح كوفيد-19، وتم التفاوض حول الصفقة بين فون دير لاين وفايزر بالرسائل النّصّيّة القصيرة التي اختفت، كما اختفت أدلة الفساد بشأن العلاقة بين فون دير لاين وماكنزي، وكانت “كاترين سودر” تشغل منصبين: عضوًا في شركة الاستشارات ماكنزي، وفي الوقت نفسه، موظفة سامية في وزارة الحرب الألمانية، وكانت فون دير لاين قد عملت معها سابقًا عندما كانت وزيرة للعمل، فكانت بمثابة “يدها اليمنى”، وتمتعت كاترين سودر، وبعض المستشارين الخارجيين بامتياز الوصول إلى مسؤولي الوزارة، مما سمح لهم بالالتفاف على القواعد والحصول على عقود تبلغ قيمتها ملايين اليورو، وكانت كاترين سودر تُشرف على صفقات الأسلحة للجيش الألماني كموظفة بالوزارة وتُكلف ماكنزي – التي تُوظّفها – بالإشراف على تفاصيل إنجاز الصّفقات، ولم تتم محاسبة فون دير لاين أو أي مسؤول ألماني أو أي مستشار خارجي، رغم تورّطها وزوجها ( وكلاهما طبيب من عائلة ارستقراطية ألمانية ) وابنها في التعامل المشبوه مع شركات المختبرات والأدوية ومع شركات الإستشارات، وتنصّل الجميع من أي مسؤولية سياسية وجنائية، وعندما تم فتْح تحقيق في هذه المعاملات، اختفت الأدلة الرئيسية وحُذِفَ البيانات من الهواتف والحواسيب الرسمية، مما يُبين التّصميم المُحْكَم لعمليات الفساد والرشوة والتضامن بين أصحاب السلطة لحماية بعضهم البعض…
لما انتشر خبر هذه القضايا علّق بعض أعضاء البرلمان الأوروبي ( ذي الدّور الإستشاري المحدود جدًّا) “إن التعاملات المشبوهة لشركات الاستشارات أمر مُعتاد وتقاسمت عائد الصّفقات مع الوزراء والموظفين السّامين والمسؤولين على مستوى البلدان أو على مستوى أوروبي”
2025-11-21