عراقيون يرفضون الديمقراطية!
اضحوي جفال محمد*
عدد كبير من العراقيين ساخط على الديمقراطية والانتخابات، يذمها ويتمنى زوالها، ويحمّلها المسؤولية عن كل أمراض المجتمع من فساد وفقر وضعف خدمات، وحين لم يجدوا سبيلاً لإلغائها ركنوا إلى الحل الذي يستطيعون وهو الدعوة للامتناع عن التصويت يوم الانتخابات.
لا شك أنها ظاهرة جديرة بالتأمل والدراسة، فعلى حد علمي لا توجد حالة مشابهة في هذا العالم، بل العكس هو الموجود، إذ تناضل الشعوب وتقدم التضحيات الجسام كي تحظى بفرصة انتخاب حكوماتها. الدعوات لمقاطعة التصويت تحصل في حالة الديمقراطيات المحرّفة التي يراد منها إسباغ الشرعية على الحاكم عبر انتخابات مزورة. والديمقراطية في العراق ليست كذلك، ففي كل انتخابات يطاح برؤوس كبيرة، ولم يتمكن الحاكم الأعلى من الاحتفاظ بمنصبه لدورة ثانية إلا مرة واحدة. فأين الخلل اذن؟.
الخلل يقبع في مكانين، أحدهما شكل النظام الديمقراطي (البرلماني) المطبق في العراق. ولن اتوقف عند هذا الجانب لأني شرحته سابقاً بما فيه الكفاية، ومن يريد قراءة ذلك يعود إلى كتابيَّ: (التحدي الإيراني للعرب) و(في العراق الاستوائي) اضافة إلى مقالات كثيرة على هذه الصفحة.
أما الخلل الثاني فهو المواطن ذاته، الذي يصوّت للفاسدين ثم يتهم الديمقراطية بنشر الفساد.. الذي يصوّت لذات الوجوه ثم يتهم الديمقراطية بتدوير ذات الوجوه.. الذي يدعي أن الانتخابات مزورة وهو يرى بكلتا عينيه سياسيين من أعلى المستويات يفشلون لعدم حصولهم على أصوات تكفي للفوز.. الذي يستفيض في سرد مساوىء النظام الديمقراطي دون أن يتكرم علينا بكلمتين عن البديل الذي يرتئيه! فالذي يرى ان النظام القائم يحمل من السوء ما يستوجب اسقاطه عليه أن يطرح فكرة عمّن يحكم بعد اسقاط النظام. مقولة (ليأتِ مَن يأت) لا تنم فقط عن تلاشي الشعور بالمسؤولية في نفس قائلها بل تنم أيضاً عن سوء نية. هذه المقولة تتضمن قبولاً بالفوضى التي هي أقوى المرشحين لخلافة نظام انتخابي حقيقي. الذي يطالب علناً بمجيء دكتاتور لحكم العراق ماذا يمنعه من قبول النظام الحالي بصفته دكتاتوراً؟ فالذين يدعون لاسقاط النظام السياسي الحالي لا يقرّون، لفظياً على الاقل، بأنه ديمقراطي، اذن فهو بنظرهم شكل من أشكال الاستبداد، فما الفرق بينه وبين مستبد آخر يتمنون قدومه؟ أم أنهم يفترضون مجيء أحد الملائكة ليملأ الارض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً!.
هذا أحد الخللين في واقعنا الراهن، هؤلاء الناس الذين يتحدثون عن الفساد باعتباره حالة مقصورة على الحكام دون الشعب، وبعضهم يجتهد لإلباسها رداءً طائفياً. في العراق الان قرابة الخمسة ملايين موظف، فلنفترض ان بينهم نصف مليون موظف غير نزيه.. هل نحسب عديمي النزاهة هؤلاء على الحكومة ام على الشعب؟ وعندما يتورط أحدهم في قضية فساد يستنفر جيش من الاقارب والأصدقاء والمعارف وربما تفزع العشيرة من أقصاها لانقاذه، ولا تتخلى عنه وترمي جريرته على الحكومة.
انتفاضة تشرين كانت صرخة شعب يقاسي ضياع حقوقه وثرواته وكرامته، قدمت آلاف الشهداء والجرحى برصاص ميليشيات الاحزاب، لكن القمع وذلك العدد الكبير من الضحايا ليس هو السبب الحقيقي لفشلها، فالشعوب تقدم أضعاف ذلك عندما تثور لحريتها. وانما فشلت لأنها لم تقدم برنامجاً ناضجاً فوقعت في الغوغائية. دعت إلى اسقاط الطبقة السياسية برمتها! تصوّر أن الذين اعتبروا (اجتثاث البعث) أحد أهم المآخذ على النظام السياسي يرفعون شعار الاجتثاث للنظام الذي خلف البعث، فنصبح فيما يشبه مناحرات القبائل البدائية. ودعت إلى إسقاط جميع الفاسدين! فهل يدرك اصحاب هذا الشعار حجم الفئة التي يريدون استبعادها من المشهد؟ ثم مَن يتولى تحديد الفاسد من غير الفاسد ليتم استبعاده؟ وبالنتيجة وجدت الانتفاضة نفسها أداة للمشروع الأمريكي ضد المشروع الإيراني.. فكان إنجازها العظيم إحلال مصطفى الكاظمي محل عادل عبد المهدي لتهدأ الأوضاع. بالنسبة للأمريكان تحقق الغرض المرحلي بإخراج الموقع الاول في النظام من المعسكر الإيراني إلى معسكرهم، أما انت ايها الثائر المتحمس هل شعرت بتغيير في أوضاعك وأوضاع البلد ومعدلات الفساد؟. وهل تعتقد اليوم أن السلبية، أي المقاطعة، ستحل المشكلة وتعيد لك الحقوق؟ أم تعتقد أن الامل في اغلاق الباب الذي تهفو اليه جميع الشعوب من حولك، وأقصد باب الديمقراطية كسبيل حضاري لتحقيق الارادة الوطنية ان لم يكن اليوم فغداً؟.
لم يستوفِ المقال كل جوانبه لكننا أطلنا ولنا عودة مع اقتراب الانتخابات وبعد مشاركة بعض المنشورات القديمة المتعلقة بهذا الشأن.
( اضحوي _ 2253 )
2025-09-25