أقنعة التدين…!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في كل مجتمع، نرى وجوهًا تتزين بالدين: صلاةٌ في وقتها، صيامٌ في رمضان، حجٌ متكرر، وتبرعات لبناء المساجد. غير أن تلك المظاهر، مهما أبهرت العيون، لا تكفي دليلاً على الصدق. فما أكثر الأقنعة التي تسقط حين يمتحنها الواقع.
تجربتي مع رجلٍ عربي ثري كانت خير شاهد على ذلك. بدا في أعين الناس مثالاً يُحتذى: رجل أعمال ناجح، واسع الرزق، متدينٌ صادق في ظاهره. حتى شقيقتي، وهي الأقرب لقلبي، طمأنتني أنه صديق مقرّب لزوجها، رجل ثقة لا يُرتاب فيه. ورغم حدسي الذي ظلّ يهمس لي بخلاف ذلك، تعاملت معه بحذرٍ محسوب.
حين زرت بلده، فاجأني بفيضٍ من الحفاوة. مطاعمه المتعددة صارت محجًّا يوميًا لي، رغم اعتذاراتي المتكررة. كان يُلحّ عليّ أن أكون ضيفه كل مساء. ظنّ الكرم فضيلة، بينما صار عندي عبئًا نفسيًا، يقيّد حريتي ويُفسد عليّ متعتي. تساءلت كثيرًا: أهو كرمٌ لوجه الله، أم وسيلة لإحكام ربقة المنة حول عنقي؟
لم يمض وقت طويل حتى تكشّف القصد. سجّل أحد أبنائه في الجامعة التي أتشرف بقيادتها، ثم طلب، بلا مواربة، أن أُسهّل له طريقًا إلى الشهادة بغير استحقاق. أرادها خدمةً خاصة، كأنه يختبر صلابتي في مواجهة إغراءاته. رفضتُ بحزم، قائلاً: “ما دامت هذه المؤسسة تحمل اسمي، فلن تُباع الشهادات فيها ولن تُشترى.”
حينها، ظهر الوجه الآخر. لم يقطع العلاقة، بل غيّر سلوكه. صار يماطل في دفع الرسوم الدراسية. حججٌ واهية تتوالى: تحويل مصرفي متأخر، ظرف مالي عابر، شريك متخلّف. أنهى الابن دراسته بجهده، نال شهادة البكالوريوس، بينما أكثر من نصف الرسوم ظلّ دينًا معلّقًا.
عندها سقط القناع تمامًا. الرجل الذي صلى وصام وحجّ، لم يتورع عن أكل حقوق الآخرين. وهنا أدركت أن التدين الحق لا يُقاس بالمظاهر، بل بالعدالة في التعامل، بحرص المرء على حق غيره كما يحرص على حق نفسه.
لقد صدق القول الفلسفي القديم:
“ما من مال موفور إلا وبجانبه حق مغدور.”
وأضيف: ما من تدينٍ موفور بالمظاهر، إلا وقد يُخفي وراءه قلبًا جافًا من القيم، وروحًا بعيدة عن معنى العبادة الحقّ
2025-09-22