الفرصة الضائعة في تحولات الرأي العام العالمي!
جمال الطاهات
طبيعة الرأي العام
الرأي العام ليس فاعلية بحد ذاته. هو فرصة متاحة لمن لديه القدرة على توظيفها. كما انه ليس فرصة دائمة، بل هو متغير حسب الحوادث والمتغيرات التي تؤثر على قناعات الناس وتشكلها. مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير تصف حساسية الرأي العام وهشاشته وسرعة تغيره وقابليته للتحول خلال ساعات، وأنه معد فقط ليمنح الفرصة لمن يستطيع اغتنامها.
وبعيداً عن المبالغات المسرحية، الرأي العام يعبر عن نفسه بالاهتمام بقضية ما من القضايا، ولكنه لا يُشكل الاستجابة لتلك القضية، هو يمنح الشرعية والتأييد لمن لديه برنامجاً واضحاً وخيارات مقنعة ومريحة، ومنسجمة مع منظومة قيم مستقرة، للتعاطي مع هذه القضية. فالرأي العام ليس فاعلية قائمة بحد ذاتها، بل هو بيئة مناسبة لإنفاذ خيارات واضحة. هو ببساطة فرصة لتحقيق منجز، وليس منجز.
غزة قدمت الفرصة، وماذا بعد؟
الرأي العام يتشكل بفاعلية حدث، مثل المجازر الإسرائيلية في غزة، يتعاطف مع الضحايا، ولكنه لا يستطيع إيقافها. غزة قدمت بتضحياتها الفرصة، ولكن للآن لا يوجد من يحولها لفاعلية لإيقاف المذبحة وانصاف ضحاياها. ولمن أراد المقارنة، يمكنه عقدها بين غزة، والمجازر النازية. الأخيرة وجدت منظومة فعالة لتوظيفها وتحويلها لفرصة، في حين دماء غزة تتبعثر، بغياب المنظومة الفاعلة التي توظفها بتأسيس خيارات قابلة للتنفيذ، ليس عربياً فقط، وإنما على مستوى العالم.
وبالرغم من أن الصراع يعتمد على موازين القوة ومنطقها، وليس على منطق التقاضي، ولكن عندما قام طرف بتقديم خيار للمحكمة الجنائية الدولية تم تنفيذه. ببساطة بقاء الجهد العربي المتعاطف مع ضحايا العدوان في سياق تعبئة الرأي العام عربياً وعالمياً، وعدم اتخاذ خطوات حاسمة لتوظيف فاعلية الدم، هو الخذلان الأكبر الذي لا تتحمل مسؤوليته فقط الأنظمة، ولكن كل النخب العربية.
لا يتحمل العالم مسؤولية تبديد دماء أهل غزة، بل نحن من يتحمل هذا الوزر. صحيح أن تعبئة الرأي العام وتقديم الدعم لأهالي غزة واجب، لكنه أقل من 1% من المطلوب. هناك 99% من الممكنات التي يتم تجاهلها من قبل النخب الفاعلة، والتي تشعر براحة الضمير لأنها تقدم بعض العون المادي لغزة. المسألة الآن ليس تحميل المسؤوليات لأي طرف، ولا تراشق الملامة، بل البحث في الخيارات الممكنة والمفيدة، والتي ما زالت متاحة على قارعة اللحظة التاريخية لمن يستطيع توظيفها.
من يستطيع التقدم؟
بعد مقتل يوليوس قيصر، حصل القاتل “بروتس” على قلوب أهل روما، ولم يكن هناك من يستطيع تحدي الهتافات المطالبة بتعيينه إمبراطوراً مدى الحياة، ولكن أغسطس تقدم، لم يفند ما قاله بروتس، بل قدم ما يمكن أن يمثل استجابة أكثر سمواً تجاه الدم المراق. فكانت النتيجة ملاحقة بروتس وقتله قبل غروب الشمس.
تحويل إسرائيل إلى طريد ملاحق عبر العالم لا يتحقق فقط وبشكل تلقائي من خلال استعراض مسرحي لتبيان جريمتها. مشهد غزة حدث يتطلب تقديم خيارات واضحة للرأي العام الذي تحول وأبدى تعاطفه معها، ولكنه للآن لا يعرف ماذا يفعل. المتعاطفون ما زالوا يخوضون معركة لتقديم الدعم الإنساني لغزة، ولا توجد هناك جهة واحدة تسعى لتحويل هذا التعاطف إلى منجز تاريخي. والخوف أن تتمكن إسرائيل من ركوب موجة الرأي العام وتغيير اتجاهها، ليس عبر تفنيد الوقائع، ولكن عبر ترتيب الاستجابات.
ان يقتصر دعم غزة على تبيان الجريمة وتفاصيلها فقط، هذا له نتائج عكسية. الجريمة واضحة، ولا تحتاج إلى الغوص بتفاصيلها. التفاصيل تنشء الغموض، الذي من شأنه خدمة الخيار الأقوى والسائد. الرأي العام يتعامل مع الغموض بانحياز واضح لخيارات الوضع الراهن. وهو ما ينطبق على السلع والعلامات التجارية وعلى الخيارات السياسية كذلك. إسرائيل تسعى لإغراق الواقعة بالتفاصيل لإخفاء جريمتها وطمسها. والمطلوب طرف يعيد الجريمة إلى لحظتها الأولى لإنشاء خيارات واضحة. مشهد غزة كافي للتأسيس لخيارات، تحول التعاطف إلى منطلق لفاعلية سياسية جديدة وواضحة عنوانها: حتى لا تتكرر الجريمة.
أخيراً،
من غير العقلاني توقع قدرة العرب على استثمار التحولات في الرأي العام العالمي، إذا لم يتم تشكيل منطق ثوري للتعاطي مع واقع العالم العربي. إن النخبة العربية التي لا تستطيع تحمل مسؤوليتها تجاه ما يجري داخل العالم العربي من استبداد وفساد وهيمنة إسرائيلية على مراكز صنع القرار بالعديد من الدول العربية، من غير المتوقع أن تكون فاعلة بتغيير هيمنة الخيارات الصهيونية على مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا. لا أدري إن كان الذي يتجاهل الهيمنة الإسرائيلية على مركز الدولة في رغدان، يستطيع (أخلاقيا وفكرياً) ان يقدم خيارات للتصدي للهيمنة الإسرائيلية على مراكز صناعة القرار للمواطنين في دول أخرى. يضاف إلى ذلك، أن اسقاط التواطؤ الرسمي العربي هو الحد الأدنى الممكن لفاعلية الدم المراق في غزة.
2026-08-04