الجمهورية ضرورة تثبتها التجربة والنظرية!
جمال الطاهات
تجربة الأردنيين في العقود الأخيرة تبرز عجز النظام الحالي عن التطور والإصلاح. فمن جهة هو سبب الكارثة التي حلت بالقطاعات المختلفة في الدولة، وهو من بطش بالذين طالبوا بالإصلاح، ومكّن المستبد الفاسد وعائلته من الاستفراد بالسلطة والهيمنة على الموارد ونهبها. ومن الحمق السعي للتخلص من الكارثة باستمرار العوامل المولدة لها.
يكشف العلم الحديث تكامل النظرية والتجربة واعتمادهما المتبادل. كل نظرية تحتاج إلى تجارب لتثبتها. وأيضاً كل تجربة تحتاج إلى إطار نظري، يساعد على تحويلها إلى مرجع علمي للخيارات. فالنظرية تحتاج، لتكسب علميتها وموضوعيتها، إلى تجربة. كما أن التجربة تحتاج إطار نظري يعزز فهمها، ويجعلها نقطة تحول في الممارسة للمرحلة القادمة.
وهناك نظريتان تثبتان أن الخلاصة الوحيدة من تجربة الشعب الأردني، هي ضرورة اسقاط النظام واستبداله بنظام جمهوري، من أجل أن يسترد الشعب الأردني دولته، ويبني الدولة الحقيقية التي تعبر عن وجدان الشعب وتخدم مصالحه.
النظرية السياسية تؤكد وجوب اسقاط المستبد الفاسد
يقول جون لوك، أحد أهم مؤسسي نظرية الدولة الحديثة: حين تنحرف السلطة عن وظيفتها (وهي خدمة الشعب) يصبح من واجب الشعب (نعم من واجب الشعب)، أن يثور ويغير السلطة، ويتوصل إلى نظام سياسي يخدم مصالحه. فالثورة واجب وليست فقط حق من حقوق الشعب غير القابلة للنزع أو المساومة.
وميراث جون لوك، وتأسيسه لشرعية الثورة الشعبية، أصبح من مسلمات النظرية السياسية الحديثة، وواحدة من أهم مرتكزات القانون الدولي، الذي يؤكد على شرعية الحكم (المشتقة من، والمبنية على، شرعية الثورة) كشرط لعضوية أي دولة في الأمم المتحدة. فشرعية أي نظام قائمة ما دامت الثورة عليه مشروعة. مع الرفض التام للوصاية والانتداب، من أي طرف كان، محلي أو خارجي. السيد الوحيد في الدولة الحديثة هو الشعب، وتتجلى سيادته بواجبه وحقه بإسقاط المستبد الفاسد.
وفكرة جون لوك الضمنية بوجوب الثورة، عبر عنها أينشتين بوضوح بعد قرنين قوامها: أنه من العبث، تكرار نفس طريقة العمل وانتظار نتائج مختلفة. وعليه يصبح من العبث انتظار الإصلاح من المنظومة التي أدت للخراب، ومارست الاستبداد والقمع لمنع الإصلاح وحماية الفساد وإدامته.
وتجارب الشعوب، بما فيها تجربة الشعب الأردني، تثبت ضرورة وواجب اسقاط النظام العاجز عن التطور، والذي يمنع الإصلاح بالقوة والكذب والخداع. ولكن هذا لا يكفي فمن الضروري التأكيد على إنشاء الجمهورية، كنظام سياسي يضمن أن تكون السيادة للشعب، وأن تكون الدولة حقيقية تعبر عن قيم الشعب ووجدانه وتخدم مصالح كل مكوناته.
منظور جون لوك الذي عبر عنه أينشتين، تبنته نظرية النُظم، كإطار جديد لتجسير الفجوة بين النظرية والتطبيق. وتنطلق من تمكين العقل من إجراء عمليتين متكاملتين متزامنتين لتصحيح المنظومات: عملية التحليل لفهم مصدر الخلل وضرورة التخلص منه، وعملية التركيب التي تفضي إلى تطوير البديل. فحسب نظرية النُظم لا يمكن إصلاح منظومات معطوبة، دون ترافق بنيوي لكل من التحليل للتخلص من العطب، والتركيب من اجل بناء البديل.
نظرية النظم تؤكد على ضرورة إنشاء الجمهورية
نظرية النظم التي، استعارت الكثير من تراث الفكر الإنساني، استعارت لتأكيد تلازم التفكيك التركيب، مقولة كارل ماركس الشهيرة: أن البؤس لا يقود بشكل ميكانيكي للثورة، بل لا بد من وعي الجماهير لواقعها البائس والميؤوس منه. ولكن وعي البؤس ورفضه مرتبط بتصور الجماهير للحالة البديلة (المحفز للثورة).
فلا بد من أن يفقد البؤس حتميته، عبر توفير البديل الممكن والعملي والذي يعبر عن أشواق الشعب ومطالبه. فالشعب الاردني برجاله ونسائه لم يخلقوا ليكونوا عبيداً للمستبد الفاسد وعائلته. المقولة الثورية تؤكد على ضرورة تزامن وتكامل رفض الواقع، مع توفر البديل.
فلا يكفي إدراك الأردنيين لفساد النظام واستبداده، بل لا بد من توفير البديل الممكن والقابل للتحقق في شروط الواقع الذي يعيشونه. فكرة الجمهورية، وصورتها التي تقدم أكبر تفاصيل ممكنه لها، ضرورة حتى يطمئن الأردنيون لمستقبلهم بعد التخلص من أكاذيب المستبد الفاسد وخدعه. وفكرة الجمهورية ضرورة حتى يستعيد الشعب ثقته بنفسه، ويدرك بأنه قادر على العيش بعز، والتقدم باقتدار دون مكارم أو وصاية أحد.
والجانب الآخر من نظرية النُظم، التي تؤكد على ضرورة اسقاط النظام وتشييد الجمهورية، هو تأكيدها على استحالة تحقيق الإصلاحات الجزئية والتدريجية دون تزامنها في كافة القطاعات معاً. إذ أن نظرية النظم تساعد على استيعاب التكامل والتفاعل بين مكونات أي منظومة وبالذات الدولة.
فعلى سبيل المثال، من العبث محاولة اصلاح التعليم، ما دامت الجامعات تتهاوى. ولا يمكن البدء بإصلاح التعليم العالي ما دام المستبد الفاسد وعائلته، وعلى مدى عقود يسرقون ضريبة الجامعات، والتي بين الدكتور كامل العجلوني قبل سنوات بانها مبالغ تراكمية وصلت (بالحسابات الجارية) إلى أكثر من ملياري دينار أردني (نعم أكثر من مليارين قيمة الضرائب التراكمية للجامعات التي سرقها المستبد الفاسد وعائلته).
ولا يمكن وقف تماديه وعائلته على المال العام، إلا بتفعيل الرقابة الشعبية وتعزيزها، وهذا يتطلب تحرير مؤسسات الدولة بما فيها الأجهزة الأمنية والقضاء، من هيمنته وهيمنة عائلته. ولكن لا يمكن إصلاح القضاء دون إصلاح المنظومة الأمنية. وهذه لا يمكن إصلاحها إلا بتعديل عقيدتها المهنية ليكون واجبها المركزي هو حماية الشعب الأردني وليس حماية المستبد الفاسد عائلته. وعليه، فإن اسقاط النظام ضرورة حتى تتحرر كل مؤسسات الدولة، ويصبح بالإمكان البدء بمشروع متكامل لتطويرها بشكل متزامن.
ملاحظة تأسيسية وليست أخيرة
النخب الخائفة المرتجفة، لا يمكن لها أن تعزز ثقة الشعب بنفسه وتمكنه من القيام بواجبه المزدوج تجاه نفسه والمتمثل بإسقاط الاستبداد والفساد، وتشييد الجمهورية، بوقت قصير ودون فوضى. ارتجاف النخب وخوفها هو الذي مكن المستبد الفاسد وعائلته من اخذ الدولة رهينة، وتهديدهم لشعبنا إما أن يخضع أو انهم سيدمرون الدولة.
تحرر النخب الفكرية من ترددها وخوفها خطوة ضرورية ليستعيد الشعب ثقته بنفسه، ويتحرر من مخاوفه وشكوكه حول المستقبل. فلا سيادة لشعب تخذله نخبه بترددها وخوفها.
2025-09-22