“دولة بلا دولة”.. عندما تتحول الدولة إلى ملكية حصرية!
أمجد إسماعيل الآغا*
في قلب التجربة السورية المعقدة تكمن أزمة جوهرية في مفهوم الدولة نفسها؛ كيف تَحول كيان وطني متعدد المكونات إلى ملكية حصرية تحكمها عائلة أو حزب، تاركة خلفها حلم الدولة المدنية القائمة على القانون والمؤسسات؟. سوريا، بتاريخها العريق وتركيبها الاجتماعي المتنوع، لم تكن يوماً مجرد امتداد لسلطة فرد أو حزب، بل كانت فضاءً للتوازن والتعددية حتى وإن جاءت تجاربها السياسية بمآلات مريرة، إلا إننا اليوم أمام واقع يختزل الدولة إلى فكرة “مزرعة مُسيطر عليها”، حيث تصبح العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة تبعية لا مشاركة.
سوريا لا يمكن أن تصبح مجرد نظام حكم يتبع لشخصية بعينها، ولا يمكن اختزالها بـ “سوريا الأسد أو سوريا الشرع”، فهي كيان يحمل في جوهره تاريخاً عميقاً لا يخضع لتوصيفات ضيقة، لكن من سخرية القدر أن يتحول هذا البلد العريق الذي نشأ على التعايش والتعدد إلى ما يشبه مزرعة بمالك واحد، وهنا يُختزل معنى الدولة إلى فكرة مُلكية فردية أو عائلية أو حزبية. هذا الانحراف في فهم الدولة لا يمثل مجرد خطأ تحليلي، بل هو آفة سياسية تقوض نسيج المجتمع وتدمّر مشروع الدولة الوطنية، فتحول السلطة إلى أداة للاستبداد الوراثي أو الحزبي، بدل أن تكون خدمة عامة تُبنى على القانون والمساءلة، كما أن محاصرة تعريف الدولة ضمن دائرة ضيقة تعني إلغاء فكرة الوطن كمنبر لكل السوريين، وتضييع فرص بناء مستقبل مشترك قائم على العدالة والمساواة. من هنا، ينبغي ألّا يُنظر إلى سوريا كملكية أو عقار خاص يحرسه أفراد بلا مساءلة، بل كنظام متكامل تتشارك فيه كل مكوناته، وتُحكم فيه المؤسسات بشفافية واحترام للحقوق.
بهذا المعنى يدعونا الواقع السوري إلى البحث عن إطار سياسي يتجاوز التبسيطات الحزبية والشخصية، ويعيد الحياة إلى الدولة كفضاء تجمع وتعايش وحوار، إضافة إلى أن استعادة الدولة الحقيقية في سوريا هي استعادة لكرامة وطن وشعب بأكمله، تتطلب فك القيد عن مفهوم “الملكية الحصرية أو تضيق المعنى الحقيقي للدولة وربطه بشخص” وبناء مشروع سياسي مدني ديمقراطي يكرس الدولة ملكاً لكل السوريين، لا لوريث أو مجموعة حصرية، وبالتالي فإن خطورة ربط سوريا بشخص أو حزب تكمن في تضييق أفق الدولة وتفتيتها، حيث يصبح الوطن مجرد ملكية خاصة تُدار حسب أهواء السلطة، ما يهدر معاني المواطنة والحق والسيادة الشعبية. هذا التوصيف لا يعكس إلا هشاشة الحالة السياسية ويُخضع البلاد لمزاجيات استبدادية تعيد إنتاج نمط الحكم السلطوي بدل بناء دولة مؤسسات، مما يُضعف دولة القانون ويهدد نسيج المجتمع بكامله.
هذا الواقع يدفعنا لإدراك أن إنقاذ سوريا من تلك الدوامة لا يكون إلا في انفصالها عن هذه النماذج الضيقة، وبناء دولة مدنية حقيقية تحترم المواطنين وتضمهم جميعاً دون احتكار للحكم أو تعريف الدولة بأسماء وأشخاص. سوريا أكبر وأعمق من أن تُختزل في صورة واحدة، وهي بحاجة إلى رؤية وطنية جامعة تستعيد فيها جمهوريتها الحقيقية بعيدًا عن التبعية الشخصية أو الحزبية. سوريا، بما تحمله من تاريخ ثقيل وتراث حضاري غني، لم تكن يوماً قابلة للاختزال في شخصية أو نظام واحد، ولا حتى في انتماء حزبي محدود. فربطها بـ “سوريا الأسد أو سوريا الشرع”، كمحاولات لتبسيط الواقع وتعليب الدولة في إطار ضيق، هو في جوهره خيانة لفهم عميق لدور الدولة الوطنية وكيانها الحقيقي، وما يحدث بالضرورة هو انتزاع جوهر الدولة من يد شعبها وتحويلها إلى مجرد ملك خاص يتحكم فيه بضعة أشخاص.
تكمن خطورة هذه التوصيفات في أنها ليست مجرد أخطاء تحليلية فحسب، بل تشكل أساساً سياسياً تم توزيعه على أسس ضيقة للغاية. عندما تدوّرن الدولة إلى شخصية واحدة أو مؤسسة حزبية واحدة، يُمحى معنى الدولة كمكان تجمع لجميع المواطنين، كمصدر للحقوق والواجبات، وكضامن لاستمرارية الدولة عبر الأجيال، وهنا الدولة تتحول إلى مسرح للخصخصة الحصرية للسلطة، وهذه الحالة لا تلغي تاريخ سوريا بل تحجب تنوعها.
من هنا فإن سوريا ليست مجرد دولة سلطوية أو دولة دينية فحسب، بل هي ساحة لتوازنات تشمل الطوائف والأعراق والأفكار المختلفة؛ هذه التوازنات تشكل جوهر المعاني الوطنية، بحيث لا يمكن لأي نظام حكم أو سلطة حاكمة أن تختزل تاريخ سوريا أو تحدد مستقبلها بمفردها، وعندما يُقصر فهم السياسة على لعبة فردية ضيقة، يغيب عنها الرؤية الوطنية الشاملة التي تضمن مشاركة حقيقية لجميع السوريين. ومن هذا المنطلق، فإن ربط سوريا بحزب واحد أو شخص بعينه لا يعد مجرد تصنيف سياسي، بل يشكل ضرراً جسيماً للبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث يفسد النسيج الوطني ويقوض الحريات، ويخلط بين ملكية السلطة وأدوارها المؤسسية. هذه الحالة تشبه أنماط الحكم الاستبدادية التقليدية التي تُلغي الديمقراطية وتفرض الديكتاتورية كواقع محتوم، في ظل هيمنة فردية أو عائلية أو حزبية تُهمش إرادة الشعب.
هذا التوصيف المختزل ينسف السعي لبناء دولة الحقوق والمؤسسات، ويُعيق التقدم نحو دولة مدنية حقيقية تُحكم وفق القانون وتضمن المساواة والعدالة وتحترم التنوع والاختلاف استناداً إلى مبدأ المواطنة الجامع. سوريا بحاجة إلى إعادة بناء فكري وسياسي حقيقي يقوم على فصل الدولة عن التسلط الفردي والحزبي، وإنها تحتاج إلى رؤية وطنية جديدة تفكّك هذه الألغام السياسية التي جعلت من الوطن “مزرعة”.
ختاماً. إن تاريخ سوريا وأمنها المستقبلي لا يمكن ولا ينبغي اختزاله في أي قائد أو حزب أو نظام. سوريا هي أكثر وأكبر من ذلك بكثير. هي كيان وطني يتطلب منا تجاوز ما هو شخصي أو ضيق، والعمل على صوغ مشروع سياسي جماعي جامع، يأخذ بعين الاعتبار عمقها الداخلي، ويكرّس دولة المؤسسات الدستورية والقانون، التي تكون فيها الدولة ملكاً لكل السوريين لا ملكاً لصاحب سلطة فردية.
* كاتب وباحث سياسي.
2025-09-14