كانت القضية الفلسطينية حتى سنة 1967، كمثل قميص عثمان يتنازعه جميع الطامحين إلى الحكم في بلاد العرب، بحجة تحرير الأرض «العربية المغتصبة». كان آنذاك الفلسطينيون فلسطينيين، ولكن الأرض كانت عربية.
هذا ليس مستغرباً لما لهذه القضية من أهمية في مصير الشعوب العربية وفي تأكيد حقيقة أوطانها، بين باب المندب على البحر الأحمر وبين البحر المتوسط، في قلب سورية، من اليمن إلى سورية ومصر !
بكلام أكثر وضوحا وصراحة، إن احتلال فلسطين وإنشاء دولة للمستعمرين الإسرائيليين على أرضها، هما إجراءان الغاية منهما تمديد الوجود الاستعماري الغربي في بلاد العرب أو بالأحرى إدامة هذا الوجود وتأبيده.
ضم الاتحاد الأوروبي اليونان إليه مبكراً بقصد انتسابه إلى حضارة الإغريق والرومان.
كأن الإسكندر المقدوني لم يتوقف في بابل، فضلاً عن الآية الكريمة في سورة الكهف «ويسألونك عن ذي القرنين».
من المرجح أن يكون استنباط مصطلح الحضارة اليهودية ـ المسيحية في سياق نشر أطروحة « صراع الحضارات «، قد جاء في إطار «إخراج» سورية من « الحضارة الإسلامية « أو بالأحرى استعادتها إلى حضن حضارة يهودية ـ مسيحية.
هذه محاولة غش وكذب، تتمثل بحجب السردية التوراتية ـ الإنجيلية في القرآن. بمعنى آخر، ليس الأوروبيون والغربيون بوجه عام، أكثر انتماء إلى حضارة يهودية ـ مسيحية من العرب ! (كمال الصليبي : التوراة جاءت من جزيرة العرب ـ فاضل الربيعي : المسيح العربي)
اكتفي بهذا الاستطراد في مسألة تتبع إلى علم الحضارات القديمة، لأعود من بعد إلى القضية الفلسطينية وإلى ارتداداتها في الراهن على الأوضاع العربية، فأقول إذا كان الفلسطينيون أول ضحايا الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين، فإن مقاومة هذا الأخير تقع على عاتق جميع الشعوب التي يتهددها هذا الاستعمار، ليس فقط في أمنها وفي قوتها ولكنه يتهددها أيضاً في وجودها. كما يتجسد ذلك منذ خمس سنوات ونيف على صورة «ثورات» إسلاموية ـ أميركية، هي في جوهرها تأجيج لمنازعة مذهبية يعود تاريخها إلى 1400 سنة، نـُسجت حولها الكثير من الروايات.
من المعلوم أن دول الخليج النفطية وعلى رأسهم آل سعود تضطلع بدور رئيسي في هذه «الثورات» وتحديداً في تأمين التغطية الإسلامية لها وفي إمدادها بالأموال والسلاح.
كانت «عروبة» الصراع ضد الاستعمار الاسرائيلي مسألة بديهية.
فجميع الذين عايشوا القضية الفلسطينية في السنوات التي سبقت نكبة 1948 وما بعدها، أدركوا أن الاستعمار الإسرائيلي يمتلك قدرات هائلة وهو ذو طبيعة وحشية كاسرة، وانه لن يكتفي بفلسطين وإنما سوف يتعداها إلى العراق وإلى مصر ! يحسن التذكير في هذا السياق، بما كتبه ميشال شيحا في 11 ايار 1948 «أما بما يخصنا نحن اللبنانيين، فعلينا ان نتذكر بأن هذه الدولة التي تولد على حدودنا، وإننا بلد صغير، وانه بالنسبة للإسرائيليين الذين يضغطون علينا من الجنوب، ولديهم هجرة لا تحصى، يمكن أن نصبح يوماً أرض ميعاد».
ولكن إذا كان الصراع ضد الاستعمار الإسرائيلي هو في جوهره صراعاً عربياً وليس فلسطينياً، مسألة محسومة فلا بد من الاعتراف بأنه مر بعدة تحولات قبل أن يصل حالياً إلى مرحلة الخمود شبه الكامل.
لقد افتضح ما كان يعرف بنظم الحكم العربية، في حرب حزيران 1967، حيث بانَ عجز هذه الأخيرة وعدم كفاءتها وأهليتها لخوض حرب تحرير وطنية.
لم تجرؤ النخبة الوطنية آنذاك على المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الهزيمة، خوفاً من سقوط الهيكل المتداعي على رؤوس الجميع. مهما يكن لو أقدمت النخبة الوطنية غداة هزيمة حزيران 1967 على تحفيز الجماهير الشعبية على التظاهر ضد نظم الحكم لما لاقت تجاوباً من هذه الجماهير، التي كانت تنتظر في ذلك الوقت قرار التعبئة من أجل المقاومة والتحرير. كانت الجماهير آنذك تأكل «من عرق الجبين».
إتضح من خلال هزيمة حزيران 1967 أن مواجهة المستعمر الإسرائيلي غير ممكنة في حرب تقليدية. وأن هذا المستعمر سوف يجر بين الفينة والفينة، الدول العربية المحيطة بفلسطين إلى حرب تقليدية كوسيلة للتوسع والاستيلاء على أراض إضافية ولإجبار هذه الدول على تقديم تنازلات في كل مرة ثمناً لاسترجاع ربع ما أضاعت !
أفهمت هذه النظم العربية المكسورة في أيلول 1970، أيلول الأسود، حركات المقاومة العربية ضد المستعمرين الإسرائيليين، أنها لن تسمح لشعوبها بالانخراط في حرب غير تقليدية، حرب شعبية، حرب الأنصار. نجم عنه أن حركات المقاومة صارت تقريباً، فلسطينية خالصة فضلاً عن انه لم يبق أمامها بلد عربي تلجأ إليه إلّا لبنان.
الذي حدث بعد ذلك أن كل لبنان اهترأ تدريجياً إلى حد جعل المستعمرين الإسرائيليين يظنون أن الفرصة باتت سانحة لغزو لبنان ولترتيب الأوضاع فيه بحيث يكون نموذجاً للدولة العربية التي طبّعت علاقاتها معهم فتطبّعت سمعاً وطاعة. هذا شجعهم على غزو لبنان سنة 1982.
حيث دخلوا بيروت، عاصمة عربية، وألقوا حركات المقاومة الفلسطينية إلى البحر وأشرفوا على تنفيذ مجزرتين واحدة في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في صبرا والثانية في مخيم شاتيلا.
انتفضت الجماهير الفلسطينية في سنة 1987 في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، عندما تأكد لها أن حركات المقاومة في الخارج أفلست وبالتالي فإن مواصلة النضال ضد المستعمرين الإسرائيليين تطلب ابتكار أسلوب جديد «انتفاضة الحجارة» !
الرأي عندي أنه، لولا أيلول الأسود 1970 لما تحولت بيروت إلى ماخور. ولولا الغزو الإسرائيلي لبيروت وهزيمة حركات المقاومة الفلسطينية لما انتفض الفلسطينيون في الضفة الغربية والقطاع. ولكن ويا للأسف، لو لا انتفاضة الحجارة لما ذهبت منظمة التحرير الفلسطينية إلى أوسلو ثم إلى البيت الأبيض. ولولا حرب تشرين 1973 لما وقعت حروب التطبيع.