أن تقرأ “مزرعة الحيوانات” في وارسو!
هكذا «لغّمت» الـ CIA الثقافة
سعيد محمد*
إذا كان ثمة من خلاصة لتاريخ سقوط الأنظمة في السنوات الـ 75 الأخيرة، فإنّ «وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة» كانت دائماً هناك، في كل مرّة، من دون استثناء تقريباً، في عمل ممنهج، صبور، طويل المدى، لا يقتصر على أدوات السياسة والدين لتأليب المواطنين على حكوماتهم الوطنيّة، بل يوظف أيضاً الثقافة والأدب أسلحةً ناعمة لكسب «العقول والقلوب» ومنح الجماهير حلماً كاذباً بحياة أفضل.
ليس سراً اليوم أن الرعيل الأوّل في لانغلي (مقر الاستخبارات الأميركيّة الرئيسي في ولاية فرجينيا) ـــ وقبل ستين عاماً من ظهور وسائل التواصل الاجتماعي ــ آمن بالكتب والمجلات كسلاح إستراتيجي لزعزعة الأيديولوجيات المناهضة للهيمنة الأميركيّة، وتقويض الأنظمة المعادية للإمبراطورية من داخلها وبأيدي مواطنيها، من دون خسارة جندي أميركي واحد.
فقد كشفت الوثائق (الرسميّة المفرج عنها) عن سلسلة من المجلات الثقافيّة بلغات متعددة التي كانت تمولها الاستخبارات الأميركيّة مثل «أنكاوتر»، و«دير مونات»، و«تيمبو برسينتي»، و«باريس ريفيو» و«شعر»، وتنشر فيها مقالات ومراجعات كتب تُبرز تفوّق الغرب الثقافي والفكري، وتهجو الأنظمة والثقافة الوطنيّة، إلى جانب قائمة مختارة من الروايات والكتب (انتظمت تحت قائمة تحمل الاسم الرمزي QRHELPFUL) حرص الجواسيس على إيصالها إلى أيدي القراء في موسكو، وغدانسك، ووارسو، وبرلين الشرقيّة، وبوخاريست لتمرير جرعات من وعي ليبرالي مزيّف إلى عقول نخب البلاد ومتعلميها.
كتاب صدر أخيراً في لندن لصحافي «ذي غارديان» البريطانية تشارلي إنجلش بعنوان «نادي الكتاب في وكالة المخابرات المركزية» (The CIA Book Club: The Gripping New History of the Best-Kept Secret of the Cold War ـــ منشورات «كولينز» 2025) يجمع تفاصيل غير معروفة حول حكاية الاستخبارات الأميركيّة مع سلاح الثقافة والكتب في سياق حرب استهداف النظام الشيوعي في بولندا تحديداً، التي أنتجت – انطلاقاً من أحواض السفن في ميناء غدانسك عام 1980 – أولى الثورات الملونة في أوروبا الشرقيّة، قبل أن تنتقل حمى التغيير إلى ألمانيا الشرقية المجاورة، لينهار جدار برلين عام 1989 في وقت كانت فيه هيكلية الحزب الشيوعي الحاكم في موسكو منخورة بالفساد والخيانات. هكذا، تفكك الاتحاد السوفياتي نفسه عام 1991 في ما يعد الآن انتصاراً حاسماً لحرب الإمبراطورية الأميركيّة الباردة ضد الكتلة الشرقية.
يبدأ الكتاب في خمسينيات القرن الماضي مع جيرزي جيدرويك الناشر البولندي المنشق المهاجر إلى باريس، الذي كان قد أطلق «كولتورا» (الثقافة) كمنبر أدبي للمثقفين البولنديين المناهضين للنظام في وارسو. لكن المال كان شحيحاً والمثقفون في المنفى يعيشون على الكفاف، ما اضطره للسفر إلى الولايات المتحدة بحثاً عن تمويل، ليقع في براثن الاستخبارات المركزية الأميركية التي عرضت تمويلاً سرياً بلغ في بدايته 10,000 دولار سنوياً.
لكنه ما لبث وتحوّل إلى شراكة غير معلنة دامت قرابة أربعة عقود أصبحت فيها «كولتورا» أقرب إلى وزارة ثقافة بديلة لحكومة بولندية في المنفى، وبدأت تطبع أعمالاً أدبية لمنشقين بولنديين ونسخاً بالبولندية والإنكليزية من قائمة نادي كتب الاستخبارات الأميركيّة.
وكانت تُهرّب لاحقاً إلى داخل بولندا في حقائب ديبلوماسية أو ضمن صناديق المعلبات على شاحنات النقل أو مع المسافرين عبر رحلات جوية، مخبأة في أمتعتهم وحقائب حفاضات أطفالهم، وكذلك في أماكن سريّة داخل حمامات القطارات التي كانت تربط وارسو بباريس أو تلقى بالبراشوتات من المناطيد، مموهة بأغلفة كتب ذات عناوين مملّة.
ومع تراكم الوقت والخبرة، بدأت الاستخبارات بتهريب معدات الطباعة، وآلات النسخ وقوارير الحبر إلى الداخل البولندي، ليُصار إلى تركيبها بمعرف شبكة من الناشرين المحليين الممولين عبر واجهات ثقافية ودينية تتولى طباعة الكتب والمنشورات هناك من دون المخاطرة بتمريرها عبر الحدود.
كانت تلك المطبوعات تصل إلى نظام سري لتوزيع الكتب بين القرّاء عبر منظومة من العملاء الصغار الذين تسلّم كل منهم – تطوعاً أو مقابل أجر زهيد – حقيبة تحتوي على عشرة كتب، يوزّعها في منطقته عبر نظام إعارة قصير المدى بحيث تتناقلها الأيدي سريعاً، قبل أن يجمعها ويعيدها بعد شهر ليتسلّم دفعة جديدة، غالباً من عناوين مختلفة.
قائمة نادي كتاب الاستخبارات الأميركية التي وصلت إلى أيدي ملايين القراء في بولندا شملت نصوصاً لكتاب بولنديين منشقين أمثال تشيسلاف ميلوش، وأعمال الكتاب الغربيين التي خدمت إيحاءات الاستخبارات الأميركيّة مثل «أرخبيل الغولاغ» لألكسندر سولجينتسين، و«دكتور جيفاغو» لبوريس باسترناك وغيرهما.
لكن أكثرها رواجاً في البرنامج البولندي كانت أعمال إيريك بلير (جورج أورويل)، ولا سيما رائعته «مزرعة الحيوانات» التي تولت الاستخبارات الأميركيّة ترجمتها إلى عشرات اللغات، ووزّعتها في الشرق الأوسط، وآسيا، وأوروبا الشرقية، بل أنتجت منها فيلم رسوم متحركة (عام 1954) غيّرت فيه نهاية الرواية لتصبح أكثر تفاؤلاً، بحيث تنتصر فيها الحيوانات على «الطاغية».
2025-05-05