العقيد الشهيد فاضل عباس المهداوي!

بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
مقدمة:
يُعد العقيد فاضل عباس المهداوي من أبرز الشخصيات الثورية في تاريخ العراق المعاصر. لعب دوراً محورياً في ترسيخ مبادئ الثورة العراقية الكبرى في 14 تموز 1958، وتميز بنزاهته الفكرية، وشجاعته في الدفاع عن مبادئ التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية. كانت حياته سلسلة من المواقف الثابتة، التي جعلت منه رمزاً للوفاء لقضايا الكادحين، ونموذجاً للثائر الذي أبى إلا أن يكون صوتاً للحق حتى دفع حياته ثمناً لمواقفه.
نشأته وأصوله:
ولد فاضل عباس المهداوي عام 1919 في بغداد، في أسرة شعبية متوسطة، عرفت بنزعتها الوطنية وعدائها للاستعمار. نشأ في بيئة اجتماعية فقيرة لكنها غنية بالقيم الوطنية والتقدمية. تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس بغداد، ثم التحق بالكلية العسكرية العراقية، التي كانت آنذاك حاضنة لعدد من الضباط الشباب المتحمسين لفكرة التغيير السياسي والاجتماعي.
تميز منذ بداياته بالجدية والانضباط، كما أظهر ميلاً واضحاً للتثقيف الذاتي والاهتمام بالفكر السياسي التقدمي، متأثراً بحركات التحرر الوطني وبالموجات الاشتراكية التي اجتاحت العالم في النصف الأول من القرن العشرين.
انتماؤه الفكري وموقفه السياسي:
ارتبط فاضل المهداوي فكرياً بالتيار اليساري في العراق، وكان متعاطفاً بقوة مع الحزب الشيوعي العراقي، وإن لم يكن عضواً تنظيمياً فيه. آمن بأن طريق تحرير العراق من التبعية الأجنبية ومن هيمنة الإقطاع ورأس المال هو إقامة نظام اشتراكي عادل، يكفل العدالة الاجتماعية ويوفر الحرية السياسية والاقتصادية للطبقات الفقيرة.
تميز المهداوي بموقفه الصلب تجاه الاستعمار البريطاني والنفوذ الأجنبي، وكان يرى أن العراق لا يمكن أن يتحرر فعلياً دون تحقيق السيادة الوطنية الكاملة وإنهاء التبعية السياسية والاقتصادية.
محكمة الشعب: منبر الثورة ومرآة التغيير:
بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، اختير العقيد فاضل عباس المهداوي ليترأس “محكمة الشعب”، التي كانت تهدف إلى محاكمة أركان النظام الملكي والمتهمين بالتآمر والخيانة والفساد.
جاءت المحكمة استجابةً للغليان الشعبي المطالب بمحاسبة رموز النظام السابق، وتجسيداً لفكرة أن الثورة ليست مجرد تغيير في السلطة، بل تطهير شامل لركائز النظام القديم.
أدار المهداوي جلسات المحكمة بأسلوب ثوري متميز، اتسم بالحزم، والصراحة، والجرأة، مع استخدام خطاب مباشر موجه إلى الجماهير.
تحولت جلسات محكمة الشعب إلى حدث وطني كبير، يتابعه العراقيون عبر الإذاعة والتلفاز، وانتشرت تسجيلاتها حتى خارج العراق، حيث أصبحت رمزاً لصوت الثورة العربية المناهضة للاستعمار.
وقد مثل أمام محكمة الشعب عدد من الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة، مثل:
– صالح جبر (رئيس وزراء سابق)
– عبد الرحمن العمري
– بهجت العطية
– مزاحم الباجه جي
وغيرهم من أقطاب العهد الملكي الذين بقوا أحياء بعد الثورة.
أما الأمير عبد الإله (الوصي السابق على العرش)، فقد قُتل في اليوم الأول من الثورة أثناء اقتحام قصر الرحاب، وتم التمثيل بجثته في شوارع بغداد، ولم يُعرض أمام محكمة الشعب.
ورغم الانتقادات التي طالت أسلوب المهداوي الخطابي، إلا أن ملايين العراقيين رأوا في محكمة الشعب تعبيراً صادقاً عن إرادة التغيير الشعبي ورغبة الجماهير في تحقيق العدالة الثورية.
بين الثورة والانقلاب: نهاية مأساوية:
استمر فاضل المهداوي في أداء دوره الوطني حتى انقلاب 8 شباط 1963، حين تحالفت قوى البعث والقوميين وبعض القوى الرجعية، بدعم مباشر وغير مباشر من القوى الاستعمارية، للإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم وإنهاء التجربة الوطنية الناشئة.
اعتُقل المهداوي فوراً مع عدد من رفاقه، واقتيد إلى محاكمة شكلية افتقرت إلى أي مظهر من مظاهر العدالة القانونية. حكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص، وتم تنفيذ الحكم بسرعة، ضمن حملة دموية استهدفت كل من كان محسوباً على القوى التقدمية أو المتعاطف مع الثورة.
استشهاد العقيد المهداوي لم يكن نهاية لقضيته، بل كان بداية لتحول رمزي، إذ أصبح أيقونة للنزاهة والثبات على المبدأ، ورمزاً لكل من رفض الخضوع لقوى الظلام والانقلاب على أحلام الجماهير.
خاتمة:
العقيد الشهيد فاضل عباس المهداوي ليس مجرد رئيس لمحكمة أو ضابط جيش. إنه تعبير عن مرحلة نضالية أرادت أن تبني عراقاً جديداً يقوم على المساواة والحرية والكرامة الوطنية.
مواقفه الثابتة، دفاعه المستميت عن مبادئ الثورة، وإيمانه العميق بقدرة الجماهير على تغيير مصيرها، كلها عناصر تجعل منه واحداً من الخالدين في تاريخ العراق الحديث.
إن ذكراه ستبقى حية في ضمير كل من يؤمن بأن الكلمة الشجاعة والموقف المبدئي هما أسمى أشكال التضحية.
2025-05-04