انتفاضة أوروبيّة لدعم زيلينسكي ومبادرة أنجلو فرنسيّة لوقف الحرب في أوكرانيا!
سعيد محمد*
تقود بريطانيا وفرنسا ما يقول رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر أنّه مبادرة أوروبيّة لوقف القتال في أوكرانيا تتضمن العمل مع نظام كييف على توفير ضمانات أمنية توفرها قوات من “تحالف أوروبيين راغبين”، وأنها ستعرض بعد إنجازها على الولايات المتحدة.
وقال السير ستارمر الذي استقبل في لندن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (السبت)، أنّه ناقش مع الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طرقاً محتملة للخروج من المأزق الحاد الذي انتهى إليه لقاء ترامب-زيلينسكي الجمعة.
وبحسب ما أدلى به رئيس الوزراء البريطاني فإن بلاده وفرنسا ودولة أو اثنتين ستعملان على خطة لما أسماه ب”وقف القتال” في أوكرانيا، تتضمن بالضرورة إرسال قوات بريطانيّة وفرنسيّة ومن عدد من الدول الأوروبيّة الأخرى لتوفير ضمانات أمنيّة لنظام كييف في حال التوصل إلى تسوية ما مع الجانب الروسيّ. وتبدو مسألة الضمانات تلك التي يطالب بها زيلنسكي العقدة التي تسببت بكارثة العلاقات العامة له مع الرئيس ترامب، إذ أنّه يصرّ على ربط توقيعه على اتفاق إذعان تحصل الولايات المتحدة بموجبه – مقابل دعمها لأوكرانيا طوال سنوات الحرب – على نصف عوائد البلاد من المعادن الثمينة وأيّ اكتشافات جديدة من النفط والغاز، بحصول نظامه على ضمانات أمريكيّة تردع الجانب الروسي عن استهداف أوكرانيا مستقبلاً، فيما يرى الجانب الأمريكيّ أن المصالح الاقتصاديّة الأمريكيّة التي يتضمنها اتفاق الإذعان كافية وحدها لتحقيق الردع المطلوب. على أن ستارمر كان واضحاً بالتشديد على حقيقة أن قوات أوروبيّة لن يمكنها توفير تلك الضمانات من جهتها دون حماية ودعم لوجستي أمريكيّين، معترفاً بأنّه لم يتلق تأكيدات من الرئيس الأمريكي خلال اجتماعهما معاً الأسبوع الماضي.
وفُهم في لندن بأن المشاورات الأوروبيّة لتشكيل القوة التي يمكن أن تكون جزءاً من خطّة وقف القتال في أوكرانيا لن تكون من خلال بروكسيل (مقر الاتحاد الأوروبي)، لأن أي قرار حول ذلك سيتطلب اجماعاً من كافة الدول ال 27 الأعضاء وهو أمر غير مرجح، وسيعمل البريطانيون والفرنسيون بدلاً من ذلك لاستقطاب بلدان أخرى في القارة قد تكون راغبة بالمشاركة. وعن ذلك قال ستارمر:”إن (تحالف الراغبين) ليس استبعاداً لأحد، لكننا بحاجة إلى طريقة أسرع وأكثر مرونة للمضي قدماً.”
وتحدث ستارمر الذي استضاف في العاصمة البريطانية أمس قمّة لعدد من قادة دول الغرب عن أنّه مصّر على أن الرئيس ترامب يريد سلاماً دائماً في أوكرانيا على الرغم من خطابه وموقفه تجاه زيلينسكي و”سيدعم جهودنا”، وأن المملكة المتحدة لديها علاقة خاصة بالولايات المتحدة، وعلاقة قوية مع أوروبا، وأنّ خيار لندن سيكون دائماً في الحفاظ على كليهما معاً.
وشارك في القمة التي عقدت في لانكستر هاوس، وهو قصر يعود إلى القرن التاسع عشر بالقرب من قصر باكنغهام في وسط لندن المستشار الألماني المنتهية ولايته أولاف شولتز، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، بالإضافة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، ورؤساء وزراء الدّنمارك وهولندا والنرويج وإسبانيا وفنلندا والسويد وجمهورية التشيك ورومانيا، كما وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. وحاول السير ستارمر استيعاب غضب مجموعة دول البلطيق (ليتوانيا، وإستونيا، ولاتفيا) بسبب استبعادها من القمّة عبر التواصل مع قادتها هاتفياً، ووضعهم في أجواء المحادثات.
ويقلل خبراء من قيمة القرارات التي يمكن أن تتخذها قمّة لندن التي تسبق قمة لزعماء الاتحاد الأوروبي في بروكسيل الخميس المقبل، إذ أن كل التظاهرة الأوروبيّة في دعم زيلينسكي تبدو أقرب إلى تسجيل مواقف من خارج دائرة التأثير الحقيقي على الحدث في أوكرانيا والتي تكاد تقتصر فعلياً على الولايات المتحدة وروسيا. ولا يتوقع كثيرون أن مخرجات قمة لندن ستزحزح إدارة الرئيس ترامب عن رؤيتها بشأن تسوية ممكنة مع موسكو، فيما الأخيرة لا ترى أي منفعة في إشراك الأوروبيين بأي صيغة سواء في المفاوضات الحالية (مع الأمريكيين) أو حتى في ترتيبات ما بعد الحرب.
ومما لا شك فيه أنّ الرئيس ترامب بعدم منحه تغطية لقوات أوروبيّة وإن كانت لمجرد حماية نظام زيلينسكي داخل أوكرانيا دون المشاركة في فصل القوات المتحاربة على الجبهة، إنما يضغط على أعصاب الأوروبيين الذين سيجدون أنفسهم خلال أسابيع قليلة في قمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بين خياري القبول بمضاعفة انفاقهم الدّفاعي – وبالتالي مشتريات معدات القتل من الولايات المتحدة – إلى مستوى 5 بالمائة من الدخل القومي السنوي لكل دولة، مقارنة بالهدف الحالي – 2.5 بالمائة والذي يقصر كثير من الدول الأعضاء عن الوصول إليه الآن -، أو المخاطرة بانهيار الحلف.
ومما يزيد الطين بلّة للأوروبيين أنّ مواقفهم ليست متطابقة لا بشأن صيغة التوصل إلى وقف الحرب، ولا حول دور أوروبي محتمل فيها. وتقود هنغاريا مجموعة من المشاغبين داخل الاتحاد الأوروبي ممن تعارض الجهود المبذولة للتوصل إلى أي توافق في الآراء بشأن محض النظام الأوكراني الدعم. وكان رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان، والذي لم يدع إلى قمة لندن، قد كتب إلى رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي أنطونيو كوستا استباقاً للقمة يعلمه فيها بموقف بلاده المعارض لدعم أوكرانيا، ودعاه إلى إطلاق محادثات سلام مباشرة مع موسكو. وكتب أوربان: “لقد أصبح من الجلي أن هناك اختلافات استراتيجية في نهجنا تجاه أوكرانيا لا يمكن سدّها عن طريق التلفيق أو مجرد التشاور”.
ووزعت المفوضية الأوروبيّة مسودة قرارات لقمة الأسبوع القادم لزعماء الاتحاد الأوروبي – يحضرها زيلينسكي – تشمل تقديم دعم عسكري إضافي لأوكرانيا وزيادة نوعية في الإنفاق الدفاعي من قبل العواصم الأوروبية. وعبر ممثل هنغاريا لدى الاتحاد الأوروبي عن تحفظاته على مضمون المسودة خلال اجتماع تحضيري للقمة بحضور ممثلي دول الاتحاد الأوروبي لدى بروكسيل عقد يوم الجمعة الماضي.
من جهة أخرى، اعترف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك قبل لقائه بقادة أوروبيين آخرين في لندن بأن وارسو تواجه “معضلة” في تقديم الدّعم الكامل لأوكرانيا في حربها ضد روسيا مع الحفاظ على علاقات طويلة الأمد مع واشنطن التي تمثل دعامة الأمن البولندي. كما وحذرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني من الانقسامات بين جانبي الأطلسي وقالت لدى وصولها إلى لندن بأن تلك التباينات الحادة ستشجع أولئك الذين يسعون إلى تدمير (الحرية) الغربية، ودعت إلى ضرورة عقد قمة طارئة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لوضع استراتيجية مشتركة لدعم أوكرانيا.
لندن
2025-03-10