إنقلاب ترامب – مقامرات أم إصلاحات في المؤسسات الأمريكية؟
مصطفى السعيد
خطوات سريعة وخطيرة ينفذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عدد من أهم المؤسسات الأمريكية، شملت إقالات وخفض إنفاق في وزارة الدفاع “البنتاجون” والمخابرات المركزية الأمريكية “السي آي إيه” وتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بالإضافة إلى إجراءات أخرى في عدد آخر من الإدارات سيكون من شأنها تغيير وجه أمريكا، ويمتد تأثيرها إلى التحالفات الدولية وموازين القوى العالمية.
يعد إقالة عدد من كبار القادة في البنتاجون وبدء تنفيذ خطط لخفض الإنفاق العسكري من أهم الخطوات وأكثرها تأثيرا، وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث قد أمر كبار القادة بوضع خطط لخفض 8% من ميزانية الدفاع في كل سنة من السنوات الخمس المقبلة.
وتعرض الرئيس الأمريكي ترامب لانتقادات فسرت قراره بأنه يسعى إلى إحكام قبضته على وزارة الدفاع، وحذرت من أن القرار المتعلق بخفض الإنفاق وتقليص عدد القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج سيلحق الضرر بالتحالفات الأمريكية وهيبة الدولة ونفوذها، وستكون أوروبا في مقدمة المتضررين، وعلى رأسها ألمانيا التي تعتمد على مظلة الحماية الأمريكية بشكل كبير، وكان ترامب قد أبدى سخطه مرارا من تحمل الولايات المتحدة تكاليف الدفاع عن كثير من الدول الحليفة والصديقة، وطلب أن ترفع تلك الدول موازناتها العسكرية، بحد أدنى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن ترتفع النسبة إلى 5%، ولأن أوروبا عموما وألمانيا خصوصا تمر بظروف إقتصادية صعبة، وتعاني من إغلاق آلاف المصانع، بالإضافة إلى التضخم وشبح الركود، فإنها أبدت غضبها من الطلب الأمريكي، والتهديد الصريح أو المبطن بأنها ستنقل قواعدها العسكرية، وستكون أوروبا أكبر المتضررين لاعتمادها الأكبر على حلف الناتو، الذي تشكل الولايات المتحدة عموده الفقري، وتتحمل معظم تفقاته. ولم تقتصر خطوات ترامب على وزارة الدفاع “البنتاجون” بل شملت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وهي من أهم أدوات القوة الأمريكية، والتي يشمل نشاطها معظم دول العالم، ولها دور كبير في الأحداث العالمية الخطيرة، من الحروب إلى الإنقلابات والثورات والإضطرابات والحروب الأهلية، سواء بالحصول على المعلومات أو التأثير على الأحداث، وتحظى المخابرات الأمريكية بسمعة كبيرة، خاصة أثناء وبعد الحرب الباردة بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي السابق، لكن نشاطها مستمر ومتمدد في الكثير من البلدان. أما الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية فكانت بمثابة قوة نفوذ إضافية يتكامل دورها مع وكالة المخابرات الأمريكية، فهي تمثل قوة ناعمة، ولها شبكة واسعة من الموظفين والمتعاونين، وذات تأثير على الدول النامية خصوصا، وعند اندلاع أزمات مثل الحروب أو الكوارث تكون حاضرة في التوقيت المناسب، واسمها يمنحها الحماية والثقة، بالإضافة إلى كونها ذراع أمريكية مهمة في أي أزمة أو كارثة أو حرب أو عمليات نزوح. الهدف المعلن من جانب إدارة الرئيس ترامب أن تلك الجهات وغيرها تستنزف الموازنة الأمريكية بتكاليف باهظة، ولا يمكن مواصلة هذا الإنفاق الكبير في ظل أزمة إقتصادية صعبة ومتزايدة، وديون تجاوزت 36 ترليون دولار، تبلغ فوائدها فقط ما يقرب من ترليوني دولار، على الولايات المتحدة تسديدها سنويا، أي أن تلك الخطوات جزء من خطة نقشف كبيرة، ضرورية لإصلاح وإعادة هيكلة الإقتصاد الأمريكي المتأزم، ويواكب هذه الخطوات إجراءات أخرى لاستعادة الوزن الأمريكي في الصناعة عموما، ومجال التكنولوجيا خصوصا، وتتابع الولايات المتحدة بقلق شديد النمو السريع للإقتصاد الصيني، وما يحققه من فائض كبير في التجارة الخارجية، إلى جانب ما تحققه في العلوم والتكنولوجيا من قفزات كبيرة، ويكشف المعهد الأسترالي للسياسات الإستراتيجية أن الصين كانت تتقدم على باقي دول العالم في 3 مجالات حاسمة في العلوم من بين 64 مجالا، خلال الفترة من 2003 وحتى 2007، لكنها منذ عام 2023 أصبحت تتقدم في 57 مجالا، واحتلت المرتبة الأولى عالميا في الإختراعات والبحوث المؤثرة بفارق كبير، وهو ما يقلق الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا. وربما كان هذا التفوق الصيني الذي يتضح كل يوم هو الدافع الرئيسي لما تقوم به الإدارة الأمريكية من خطوات تراها ضرورية وإصلاحية، وإن كانت ستقلص بالضرورة النفوذ الأمريكي، وغالبا ما سيكون لها تبعات إقتصادية ضارة على دولة إعتمدت القوة سبيلا لتوسيع مجالها الحيوي والهيمنة على الأسواق، ولهذا ستظل هذه الخطوات محل تساؤل عن المكانة الأمريكية، وما إذا كان تقليص ميزانيات أذرعها العسكرية والمخابراتية والإعانية سيحسن من أدائها، أم أن تراجع نفوذها لن يتبعه نهوض؟
لا يمكن وصف خطوات الإدارة الأمريكية في عمليات تقليص النفقات في قطاعات حيوية، تمثل أهم الكتل العضلية في الدولة الإمبراطورية، إلا بكونها جريئة وخطيرة، تمثل إنقلابا على السياسات السابقة، ولهذا فهي أقرب لمقامرة غير مضمونة العواقب.
(الأهرام)
2025-03-03