الصراع السوري : حسابات إقليمية ودولية في لعبة النار!
توفيق سلاّم
على مدى السنوات الماضية، بات المشهد السوري أكثر تعقيدًا وتشابكًا بفعل تداخل المصالح الإقليمية والدولية، ما أضاف أبعادًا جديدة للصراع الدائر. ومع تصاعد العمليات العسكرية في الحسكة ومنبج شمال شرق سوريا، وامتداد شرارتها إلى حلب وحمص وغيرهما من المناطق، يظهر جليًا أن الأزمة لم تعد مجرد شأن داخلي سوري، بل أصبحت مسرحًا لصراع استراتيجي بين قوى كبرى وأطراف إقليمية متباينة الأهداف.
اشتباكات في الشمال السوري
الصدام المستمر بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وهيئة تحرير الشام في منبج والحسكة، ليس مجرد صراع على الأرض، بل هو انعكاس للصراع على النفوذ في المنطقة. قوات قسد، التي تعتمد على دعم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، تواجه ضغوطًا متعددة من تركيا التي تسعى بكل قوتها لإضعافها، باعتبارها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه أنقرة كمنظمة إرهابية.
التدخل التركي في الشمال السوري، تحت ذريعة حماية أمنها القومي، يُظهر بجلاء تطلعات أنقرة لبسط نفوذها على مناطق تعتبرها ذات أهمية استراتيجية، سواء من حيث العمق الأمني أو الجغرافي. وفي العمق تتحرك أنقرة لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية طويلة المدى، لتعزيز نفوذها في ملف الغاز في شرق المتوسط. تصريح وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوجلو حول استعداد تركيا للتفاوض مع سوريا بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، يسلط الضوء على الديناميات السياسية والاقتصادية المتغيرة في المنطقة. وتشير إلى أن تركيا تسعى لاستثمار اللحظة الراهنة لتحقيق مكاسب استراتيجية على المدى الطويل، خاصة فيما يتعلق بالنفوذ والموارد. وتتحرك تركيا بحذر وتوازن بين التنسيق مع الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها، وعلى الجانب الآخر دعمها للفصائل المسلحة التابعة لها. في الوقت ذاته، تلعب واشنطن دورًا محوريًا في دعم قوات قسد، وتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وعزمها إنشاء قاعدة عسكرية جديدة شمال سوريا، وهي رسالة واضحة بأن التحالف الدولي لا ينوي الانسحاب قريبًا، بل يسعى إلى تثبيت وجوده طويل الأمد لغايات وأهداف استراتيجية تتعلق بموازنة النفوذ الروسي في سوريا، والسيطرة على مناطق الطاقة. فالمشهد في سوريا يبدو على أشده، ففي الشمال ارتفاع وتيرة الصراع، ليس في الحسكة وحدها، بل وفي حلب وحمص يكشف عن وجه آخر من المأساة السورية. فالاشتباكات المستمرة بين الجماعات المسلحة، فيما يطلق عليها تسمية فلول النظام السابق الذين رفضوا تسليم أسلحتهم، وبين إدارة العمليات العسكرية “هيئة تحرير الشام”، الموالية لتركيا، تؤكد أن سوريا لا تزال عالقة في دائرة العنف، هذا أولاً، وثانيًا، المصالح التركية-الأمريكية في سوريا تعكس تقاطعًا معقدًا ومتقلبًا، حيث تتعارض الأهداف في بعض القضايا وتتقاطع في أخرى، مما يزيد من تعقيد المشهد. إذ تنظر الولايات المتحدة إلى الأكراد كشريك استراتيجي رئيس في الحرب ضد تنظيم “داعش”، خاصة أن قوات قسد لعبت دورًا محوريًا في هزيمة التنظيم وإدارة المناطق المحررة، بما في ذلك الإشراف على سجون تضم آلاف من عناصر التنظيم. لذلك، تستمر واشنطن في دعم الأكراد سياسيًا وعسكريًا، بهدف الحفاظ على استقرار تلك المناطق ومنع ظهور داعش مجددًا.. وهنا يأتي السؤال: ما أوجه اختلاف المصالح التركية والأمريكية فيما يخص مسألة الأكراد على مناطق الشمال؟ وللاجابة فإن الوقائع الميدانية تظهر بشكل واضح تقاطع المصالح الأمريكية- التركية إلى حد ما، رغم التوترات الظاهرة بين الجانبين، هناك نقاط تقاطع بين الجانبين، بعدم استقرار النظام السوري، بما يكفل إبقاءه تحت السيطرة. بمعنى أن استمرار حالة الصراع والفوضى يخدم المصالح الاستراتيجية للجانبين، لأنه يبرر التدخل العسكري والسياسي المستمر في المنطقة. ومع ذلك، تتباعد المصالح بشكل جوهري فيما يتعلق بقضية الأكراد. تركيا ترى في الدعم الأمريكي لقوات قسد تقويضًا لأمنها القومي، بينما ترى واشنطن أن تركيا تتجاوز حدودها بمحاولات القضاء على شريك رئيس في مكافحة الإرهاب. هذا التباعد يخلق حالة من التوتر الدائم، تتخللها أحيانًا تفاهمات تكتيكية مرحلية، أو مؤقتة لخفض التصعيد أو تبادل الأدوار في مناطق معينة. وبالنسبة للطرفين، يبدو أن استقرار سوريا ليس أولوية بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف أخرى. وهذا يعني أن استمرار دوامة الصراع في سوريا يتيح لواشنطن الحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة، ومراقبة التحركات الروسية من جهة أخرى، بينما تستفيد أنقرة من حالة الفوضى لتمديد نفوذها العسكري والسياسي على الشمال السوري، مستغلةً الصراع لإعادة ترتيب أوراقها داخليًا وخارجيًا. وفي المحصلة، فإن استمرار الصراع السوري يفتح الباب لزعزعة الاستقرار في مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
تركيا تستخدم الملف السوري كورقة ضغط في علاقاتها الإقليمية والدولية، بينما تُبقي واشنطن على الصراع مفتوحًا كوسيلة للهيمنة الاستراتيجية. ويبدو أن كلا الطرفين ينظر إلى الأزمة السورية كجزء من لعبة أوسع نطاقًا، يتجاوز حدود سوريا ليشمل الشرق الأوسط بأكمله.
السلطة الحاكمة
وسط هذا المناخ المضطرب، إدارة العمليات العسكرية تسبق كل ذلك لتكوين صورة مشذبة لطريقة حكمها بطابع عام إسلامي تحاول اظهاره على أنه معتدل مطعم بمدني. ويبدو هناك صعوبة أن يتحول إلى علماني شبيه بالنظام التركي المقبول من أمريكا، برعاية تركية تأخذ بعين الاعتبار ما يرضي أمريكا. وبالتالي بتنا بعد اسقاط نظام الأسد أمام قبول أمريكي سريع للتحول في طبيعة الحكم في سوريا أمام حكومة، لا زال الضباب يحيط بها، وإن حاولت إظهار صورة مختلفة لطبيعتها.
ثانيًا : إذا أصبح الطابع العام للحكم الإسلامي في سوريا رئاسيًا غير ديمقراطي، فهذا يعني أن ما تبقى من المنظومة التي حلها حزب البعث وبشار سوف يبقى على حاله تقريبًا مع تغيرات طفيفة تتعلق بالدرجة والشدة والظروف المحيطة بسوريا.
ثالثًا: النظام الإسلامي السائد في تركيا أو إيران او أفغانستان أو غيرهما ليس مرفوضًا من قبل أمريكا وأوروبا والصين وروسيا، بشرط أن لايكون جهاديًا، ولا يتدخل في الشؤون الداخلية للأنظمة العلمانية في الدول المجاورة. لكنه سيكون موضع قلق لإسرائيل. إلا إذا حصلت على ضمانات سياسية أو تفرض حقائق جديدة على الأرض. وهو ما أدركته القيادة الإسرائيلية، ففرضت واقعًا جديدًا على سوريا لا يتيح لها أي إمكانية للقتال. وبالتالي للتفاوض والعودة لشعار الأرض مقابل السلام.
رابعًا : إذا ما حقق النظام الجديد في سوريا تلك الشروط والضمانات فإنه سيكون مقبولاً من القوى الفاعلة في سوريا والمنطقة وتركيا وأوروبا، ويمكن أن يحكم سوريا لعشرات السنين حتى لو عارض جزء كبير من الشعب السوري ونخبه النشيطة ذلك الأمر، سيفرض كأمر واقع.
على الجانب الآخر، يبدو أن إسرائيل، التي تواصل استهدافها للبنى التحتية العسكرية السورية، تسعى لتثبيت وجودها الاستراتيجي في الجولان المحتل، وتوسعها باحتلال مناطق جديدة في الجنوب السوري، مستفيدة من حالة الفوضى التي تعيشها البلاد. وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول ما إذا كانت سوريا تتحول إلى ساحة تقسيم غير معلن بين القوى المتنافسة. التدخلات الإقليمية والدولية لم تُنتج حتى الآن إلا مزيدًا من التعقيد وإطالة أمد الأزمة، في ظل غياب توافق دولي واضح حول مستقبل سوريا.
ختامًا، الصراع السوري بات أقرب إلى رقعة شطرنج تتحرك عليها القطع وفق مصالح القوى الكبرى والإقليمية، بينما يدفع الشعب السوري الثمن الأكبر من دمه ومعاناته. يبدو أن نهاية هذه المأساة لا تزال بعيدة، خاصة في ظل استمرار التدخلات الخارجية وتضارب الأجندات. الحل السياسي، الذي يُفترض أن يكون مخرجًا للأزمة، يبقى رهين إرادات متضاربة تسعى لتحقيق مكاسبها على حساب وحدة سوريا وسيادتها. المستقبل لا يزال مجهولًا، لكنه بلا شك مرتبط بمدى قدرة القوى المحلية والدولية على تجاوز خلافاتها والعمل من أجل مصلحة السوريين الحقيقية، متى سيكون ذلك لا ندري ..!
2025-01-09