كيف تُفسّر موسكو مواقفها ممّا يجري في غزة وحولها؟..
حديث صريح مع المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخازوفا!
د. سلام العبيدي
اسئلة كثيرة تراكمت حول قراءة موسكو لما يجري في غزة من مجازر جماعية يندى لها الجبين والتطورات الاقليمية المرافقة لها، سواء في لبنان او اليمن. بعد اثني عشر يوما من الصمت، ظهرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا امام الملأ، وكانت تلك فرصة لان نوجّه له بعضا من تلك الاسئلة.
ما لا شك فيه ان تصريحات وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف قبل نهاية عام 2023 ببضعة ايام (رأي أليوم تناولتها في مقال للكاتب https://www.raialyoum.com/اشكالية-المقارنة-بين-أوكرانيا-وغزة-هل/) كانت ضمن دائرة الاهتمام لاستيضاح موقف موسكو ليس فقط من العدوان الاسرائيلي الغاشم على غزة، وانما من حق الشعب في مقاومة الاحتلال الهمجي. إشارتنا إلى أن هذا الحق مكفول في ميثاق الأمم المتحدة، جعلت الإقرار به من قبل الدبلوماسية الروسية أمراً لا يقبل تأويلاً:
“نحن نعترف بهذا الحق ونعزز اعترافنا بإجراءات دبلوماسية وقانونية ودولية ملموسة. هذه ليست مجرد مسألة رؤيتنا لهذا الوضع من وجهة نظر العدالة والقانون والممارسة القانونية. هذا النهج الذي نتبعه، ينطلق تحديدا من وجهة نظر مستقبل المنطقة. ولم يقترح أحد على الإطلاق حلا آخر يمكن أن يخرج المنطقة من دوامة الصراع الرهيبة والمروعة والطويلة والمتواصلة. نرى حقا أن مسار الدولتين لا بديل له”، – على حد تعبير زاخاروف.
إذا، موسكو تعترف بحق المقاومة، لكنها ترى أن خيار حل الدولتين نقل الصراع من ميادين القتال إلى غرف المفاوضات. لكن، عن اي مفاوضات يمكن أن نتحدث اليوم، عندما اثبت الكيان الصهيوني إن خياره الوحيد هو الإبادة الجماعية وتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي!؟
كان مهما في الحديث مع زاخاروفا لفت نظرها إلى جرائم الصهاينة العابرة لحدود فلسطين المحتلة، والإشارة هنا إلى العمل الارهابي باغتيال قياديين في حماس في بيروت. كل ادانة تنتزع من دولة عظمى مثل روسيا للكيان المغتصب، تجعلها اكثر التزاما بمواقفها التاريخية، التي يخفيها الغبار:
“أولا ، أريد أن أكرر نهجنا العام-روسيا ضد أي نشاط إرهابي ، من أي جهة ومن أي جانب يأتي. وأنتم تعرفون جيدا موقفنا من هذه المسألة. ثانيا ، نعتقد أن حل الصراع يكمن حصرا في المستوى السياسي والدبلوماسي. ونحن نعارض أي أعمال تؤدي إلى مزيد من التصعيد وتوسيع النطاق الجغرافي للمواجهة”، – كما أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الروسية.
إمتناع روسيا عن استخدم “فيتو” ضد مشروع القرار الاميركي رقم 2722، الذي يدين الحوثيين ويدعو إلى حماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، هو الآخر كان موضوع نقاش مع الخارجية الروسية. لم يكن بوسعنا إلا أن نذكر موسكو بانها نفسها عضت أناملها ندما على تمريرها القرار، الذي استغله التحالف الغربي لتدمير ليبيا. إلا تكرر روسيا الخطأ ذاته في اليمن، خاصة انها اتخذت الموقف نفسه في عام 2015 ما أدى إلى شن الحرب على صنعاء من قبل ما سمي آنذاك “التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن”.
لموسكو رؤيتها وتفسيراتها لهذه المسألة:
“لم يكن النشاط الزائف للولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي يهدف إلى العمل البناء باسم الشعب الفلسطيني ، وتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، وتحقيق الاستقرار في المنطقة ككل ، ولكن فقط لإضفاء الشرعية على أفعالها الأحادية. هذا ما صرح به الممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة ، فاسيلي نيبينزيا، اثناء جلسة مجلس الامن”، – بهذا التصريح عللت زاخاروفا تصويت روسيا في مجلس الامن.
من وجهة النظر الروسية، فأن وظيفة القرار تكمن في التأثير على الجمهور المحلي، مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، من أجل التمكن من الجمع بين كلمات مثل “قصف اليمن” و “مجلس الأمن” و “القرار الدولي” في جملة واحدة، واثارة “ضجة” ذات طابع إعلامي في مجلس الأمن.
والاهم، كما ترى زاخاروفا، هو استدراج روسيا والصين إلى رفض القرار، لاتهام موسكو وبكين بانهما تعرقلان دائما “الأعمال الصالحة” للولايات المتحدة.
ما يمكن استنتاجه من تصريحات الخارجية الروسية هو أن تذكير موسكو باستمرار بواجباتها الأخلاقية تجاه القضايا العادلة في العالم ومواقفها التاريخية المشهودة أمرٌّ لا بدّ منه، نظراً لتقاعس الدبلوماسية العربية، مع بعض الاستثناءات، عن متابعة قضاياهم بالشكل المطلوب ومراجعة الخارجية الروسية عند كل موقف رجعي يشوبه الغموض.
الطابور الخامس، الوثيق الارتباط بالكيان الصهيوني، يتحين الفرص للتأثير ليس فقط على الرأي العام الروسي من خلال تحكمه الكبير بوسائل الإعلام الروسية، وانما لإضفاء سمة الإرباك على المواقف الروسية من القضايا العربية، وفي مقدمها – القضية الفلسطينية.
2024-01-15