لماذا إعادة كركوك إلى حضن مسعود؟
علي عباس
إخلاء “المقر المتقدم لقيادة العمليات المشتركة في كركوك” لتسليمه إلى (حزب البارتي).
لماذا أصدرت حكومة السوداني أوامرها بإخلاء “مقر قيادة القوات المشتركة في كركوك” وتسليمه إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني (حزب مسعود البارزاني)؟
نشرت الخبر وكالتان هما الفرات نيوز ووكالة المعلومة في 27/8/2023. متضمناً تصريحات النائب السابق عن كركوك “ياسين العبيدي” والنائب “عزام الحمداني” عن تحالف عزم، إضافة إلى بيان مشترك عن قائمتين عربية وتركمانية هما “قائمة التحالف العربي” و “جبهة تركمان العراق الموحدة” الذي هددتا فيه باللجوء إلى القانون إذا عاد “البيشمركة” بأي شكل، إلى كركوك، لأن عودة البيشمركة مخالفة دستورية، حسب ما جاء في البيان.
وتستهل وكالة الملعلومة خبرها بالقول:
“ما أن تنتهي أزمة في العراق، بالغالب مصدرها أربيل، إلاّ وتعود بمشكلة أكبر. كان آخرها خطوة إخلاء “المقر المتقدم لقيادة العمليات المشتركة في كركوك” تمهيدً لتسليمه إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني”.
ويؤكد الخبر في المصدرين أعلاه أن هذا الإخلاء يترافق مع الحديث عن استلام نفط كركوك أيضاً!
والجميع منذهلٌ ويتساءل عن السبب في إعادة الاضطرابات والمشاكل العنصرية في المحافظة، وهي مستقرة منذ تأريخ إخراج مليشيات الحزبين الكرديين “البيشمركة” من كركوك قبل ستِّ سنوات.
الأمر يبدو مريباً في هذا الوقت بالذات، وقت الاستعدادات الانتخابية تجري على عجل، وليس الأمر في حدود تسوية ملكيات، فالموضوع يخفي الكثير. ويكشف عن هذا التعبير عن المخاوف التي أطلقتها الأحزاب العربية والتركمانية ونواب عن كركوك، وهم يؤكدون “أنّ هذه العودة تهديد للسلم الأهلي والاستقرار الأمني الذي شهدتهما المحافظة بوجود الجيش العراقي”.
الأمر لا يتعدى أكثر من كونه مساومات وتسويات انتخابية، وتهافت على المناصب، سيكون ضحيته مصالح العراقيين، وما هذه الخطوة الخطيرة إلاّ صورة من صور هذه التسويات الخطيرة.
وفي الحقيقة، كانت هناك دعوات حزبية كردية وضجيج افتعلها الحزبان الكرديان من تأريخ طردهما من كركوك، تدعو إلى إخراج الجيش العراقي والحشد من كركوك. كما أن حزب مسعود برزاني منذ شهر كانون الثاني عام 2023 قام بمناورات مع الحكومة العراقية، وصب جهده التفاوضي كله في استعادة السيطرة على محافظة كركوك، لغرضين؛ الأول الهيمنة الانتخابية والفوز بمنصب المحافظ لحزبه، والثاني السيطرة على نفط كركوك. وكان لممثلة الأمم المتحدة “بلاسخارت” والسفيرة “رومانسكي” الدور الكبير في إخضاع الحكومة لمطالب مسعود.
ومع أنّ “مقر قيادة القوات المشتركة في كركوك” يمثل رمزاً مهماً لفرض القانون والاستقرار الذي تمتعت به كركوك منذ إخراج البيشمركة من كركوك عام 2017، وهو وجود أمني مركزي لا يمكن التفريط به، غير أن الحكومة تحت هيمنة التسويات الحزبية الرخيصة، وسلطة الاحتلال الأمريكي، تُخلي المقر هذا وتقدمه هدية لمسعود برزاني.
لماذا خضعت الحكومة لمطالب “البارتي” الذي سبق أن أشاع الفوضى والقتل والمصادرة العنصرية والطائفية في محافظة كركوك لسنوات طويلة؟
ولا ننسى أن الناس بسبب آلام السنوات الماضية وقمع حكومة كركوك السابقة العنصرية وهيمنة البرزانيين ، نجدهم اليوم ينظّمون رفضاً شعبياً وتظاهرات وتحضيراً لتظاهرات مقبلة ضد هذا الإجراء الأخرق الذي صنعت به الحكومة فراغاً أمنياً. وما نخشاه في هذا الوضع المضطرب الذي صنعته الحكومة بغبائها، أن يقوم حزب البرزاني باستغلال الاضطرابات أو افتعال فوضى ليتدخل بمليشياته العنصرية بالاعتداء على الناس وتشريع القمع.
إن مخاوف العرب والتركمان في كركوك من عودة حزب مسعود وحزب الطالباني وعودة البيشمركة إلى المحافظة ليست من فراغ، وهم يتذكرون جرائم المحافظ الكردي القاتل المجرم ” نجم الدين كريم” التابع لحزب مسعود برزاني والمطلوب للعدالة، ويتذكرون أوامره إلى البيشمركة بتصفية التركمان والعرب، ويتذكرون مقابره الجماعية، واستهتار حمايته الكردية التي ضربت مثلاً بالتهور والاعتداء على الناس. علماً أنها ليست قوة رسمية، ولا ترتبط قانونياً بأيّة مؤسسة أمنية حكومية ورسمية. كما أن الجميع هناك يخشون عودة المقابر الجماعية. وسيعملون مجتمعين على منع عودة البيشمركة والهيمنة الكردية في كركوك، للحفاظ على استقرار الوضع الأمني واستتباب السلم الأهلي في المدينة اللذان أمتدا طيلة السنوات الست الماضية.
الجميع يعرف، كما يقول برلمانيون من كركوك، أن “النجاح في ترسيخ السلم بين المكونات والاستقرار الأمني في كركوك بفضل الجيش العراقي لا يسر الحزبين الكرديين البارتي والاتحاد.”
هل تستطيع حكومة السوداني نجدة العرب والتركمان من تغول البرزانيين والطالبانيين في كركوك؟ أم أنها اتفقت ضد مصالح الناس في كركوك وضد أمنهم وحياتهم واستقرارهم؟
2023-08-28