هل ستبلغ ” اسرائيل ” عمرها الثمانين!
رنا علوان
في مقال له، عبر رئيس وزراء العدو الأسبق ، إيهود باراك عن مخاوفه من قرب زوال “إسرائيل” قبل حلول الذكرى الـــ 80 لتأسيسها
مستشهدًا في ذلك بالسرديات التاريخية ، وفي هذا السياق ، كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد سبق رفاقه في التعبير عن المخاوف من زوال “الدولة” ، فقد قال عام 2017
[ سأجتهد كي تبلغ إسرائيل عيد ميلادها المئة ، لأن مسألة وجودنا ليست مفهومة ضمنًا ، وليست بديهية ، فالتاريخ يعلمنا أنه لم تُعمَّر دولة للشعب اليهودي أكثر من 80 سنة ]
أما [ بيني موريس ] وهو أحد أشهر وجوه حركة “المؤرخين الجدد” ويعود هذا المصطلح الذي يطلق في الكيان ( بشكل فضفاض ) على مجموعة من المؤرخين كونهم نقضوا الرواية الإسرائيلية المعتمدة لتاريخ الصراع مع العرب ، واعترفوا بما ارتكبه الصهاينة من قتل وتهجير
ولا يعني هذا أن جميع “المؤرخين الجدد” يستشعرون مسؤولية إسرائيل عن هذه الجريمة التاريخية
[ فهم ينطلقون من منطلقات مختلفة في دراستهم لذلك التاريخ ] ومن بينهم موريس الذي لا يرى بأسًا في التطهير العرقي ، ويعتقد أن اليهود عليهم القيام بكل ما يلزم لحماية أنفسهم
لكن موريس يقدم جل أفكاره بنَفَس واقعي بعيد عن الرغبات والتمنيات غالبًا ، ويقول
“لا أرى لنا مخرجا” وذلك في معرض حديثه عن فرص إسرائيل في البقاء كـ “دولة يهودية”
ويمضي شارحًا “اليوم يوجد من العرب أكثر من اليهود بين البحر (المتوسط) والأردن
هذه الأرض بأكملها ستصبح حتمًا دولة واحدة ذات أغلبية عربية”
ويضيف أن “إسرائيل لا تزال تدعو نفسها دولة يهودية لكن حُكمنا لشعب محتل بلا حقوق ليس وضعًا يمكن أن يدوم في القرن الحادي والعشرين ، في العالم الحديث ، وما أن يصبح لهم حقوق فلن تبقى لنا باقية
ويُضيف ” موريس ” هذا المكان سيتردى كدولة شرق أوسطية ذات أغلبية عربية
العنف بين المكونات المختلفة داخل الدولة سيزيد
العرب في مطالبتهم بعودة اللاجئين
واليهود سيظلون أقلية صغيرة في خضم بحر عربي كبير من الفلسطينيين
أقلية مضطهدة أو مذبوحة ، كما كان حالهم حين كانوا يعيشون في البلدان العربية
وكل من يستطيع من اليهود سيهرب إلى أميركا والغرب
ويُكمل موريس قوله [ ان الفلسطينيين ينظرون إلى كل شيء من زاوية واسعة وطويلة الأمد ، ويرون أن هناك خمسة أو ستة أو سبعة ملايين يهودي هنا في هذه اللحظة، يحيطهم مئات الملايين من العرب ]
ليس ثمة ما يدعوهم للاستسلام لأن الدولة اليهودية لا يمكن أن تدوم ، [ الانتصار سيكون حليفهم حتمًا ] ، وفي غضون سنوات سينتصرون علينا ]
وما إن نُشرت توقعات موريس التي لم تكن سوى جزء يسير من حوار طويل تناول موضوعات عدة ، حتى انهال عليه كتّاب وقادة رأي إسرائيليون بالانتقادات والاتهامات
ومن اللافت في هذا السياق أن التنبؤات الإسرائيلية عن (اضمحلال دولة الكيان الغاصب وانهياره وهزيمته من الداخل ) تصدر عن تيارات فكرية مختلفة
إذ يوجد بين المتنبئين من هو مثل بيني موريس الذي يرى أن الإسرائيليين ضحايا تتربص بهم الأمم ، ويوجد آخرون يرون أنهم مذنبون يكتبون تلك النهاية “المأساوية” بأيديهم
هنا نجد ما يبرر لنا استشراء الفاحشة ، والحث بقوة على انتشارها ، والسعي لتدمير الأسس الاجتماعية كما الدينية ، والعمل المستميت على كي الوعي ، فلم يعُد بالطريقة السلسلة المعهودة سابقًا ، وذلك بسبب ما يعتريهم من خوف حقيقي يُهدد وجودهم
لذلك يعمدون الى تسريع ما يُظهر لهم ( المسيخ المخلص ) او ( المسيا מָשִׁיחַ )
وهو المخلص المُنتظَر ، أي قائد مُعَيَّن من قِبَل الله ، وقد يكون ملكًا لإسرائيل لأنه يجب أن يخرج من صُلب داود الملك
وهو الذي سيحكم الشعب اليهودي ، ويُوَحِّد أسباط إسرائيل ، ويُعلن عن بدء العصر المسياني Messianic Age ، والذي سيكون فيه -من وجهة نظر اليهود- العدل والسلام والحرية على الأرض بدون أي حروب أو جرائم أو فقر
وحسب نظر اليهود من خلال التلمود Talmud والمدراش Midrash وغيره ، فإن المسيا المُنتظر سيأتي قبل سنة 6000 من خلق العالم (وحاليًا عام 2023 مثلًا يُقابل سنة 5983 للخليقة حسب العقيدة اليهودية والنتيجة اليهودية)
اما الفريق الثاني من المؤرخين ، يبرز اسم أفراهام بورغ السياسي الإسرائيلي المخضرم ورئيس الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) سابقًا ، الذي أثار عواصف في الرأي العام الإسرائيلي على مدى سنوات بآرائه وكتبه التي حذرت من توافر أسباب زوال إسرائيل
حيث كان يُعد ” بورغ” نجمًا من نجوم اليسار الإسرائيلي في وقت من الأوقات ، وتقلّد العديد من المناصب المهمة من بينها رئاسة الكنيست لأربع سنوات ، ورئاسة “الوكالة اليهودية من أجل إسرائيل”، و”المنظمة الصهيونية العالمية”
يرى بورغ أن إسرائيل بنبذها للديمقراطية وتمسكها بعقلية “الغيتو” وإهدارها للقيم الإنسانية ، إنما تأخذ بأسباب الانهيار وتعجل بالنهاية
ولمن لا يعرف ما هي [ عقلية الغيتو ] فاليهود الاوروبيون كانوا يعيشون في أماكنهم المعزولة ويعتقدون أن الجميع يخطط للقضاء عليهم ، ولذلك فإنهم كانوا يشككون في كل شيء وتبقى عقلياتهم أسيرة لأماكنهم الضيقة ولفهمهم المنعزل عن الآخرين ، ولقد كتب “بورغ” في عام 2003 في خضم الانتفاضة الفلسطينية الثانية مقالًا لصحيفة غارديان البريطانية بعنوان “نهاية الصهيونية” تحدث فيه عن العواقب الخطيرة للسلوك الإسرائيلي
قال بورغ “إن إسرائيل التي لم تعد تعبأ بأبناء الفلسطينيين لا ينبغي أن تتفاجأ حين يأتي الفلسطينيون إليها مشحونين بالحقد ويفجرون أنفسهم في مراكز اللهو الإسرائيلية”، وأضاف “إنهم يريقون دماءهم في مطاعمنا ليفسدوا شهيتنا لأن لديهم أبناء وآباء في البيت يشعرون بالجوع والذل”
بورغ يرى أن إسرائيل وصلت إلى نهاية طريق مغلق
ولقد أثار في عام 2007 ، عاصفة أخرى حين نشر كتابه “هزيمة هتلر” الذي يشبه فيه حال إسرائيل بحال ألمانيا النازية قبيل هزيمتها
ويحذر في الكتاب من أن قطاعًا متضخمًا من المجتمع الإسرائيلي يستخف بالديمقراطية السياسية ويعادي الأجانب ، ويقول إن الدولة باتت تحت رحمة أقلية متطرفة
ولا يزال بورغ ينشر هذه الفكرة التي يلخصها بالقول إن “إسرائيل غيتو صهيوني يحمل أسباب زواله في ذاته”
ويوضح في أحد الحوارات الصحفية أن “الناس يرفضون الاعتراف بذلك ، لكن إسرائيل اصطدمت بجدار ، ويوجه سؤالاً للمُستضيف [ اسأل أصدقاءك إن كانوا على يقين من أن أبناءهم سيعيشون هنا ]
[ كم منهم سيقول نعم ؟!؟ 50% على أقصى تقدير
بعبارة أخرى ، النخبة الإسرائيلية انفصلت عن هذا المكان ، ولا أمة دون نخبة ]
يفجر الحوار ” بورغ” بأنه يحمل جواز سفر فرنسيًا اكتسبه لزواجه من امرأة فرنسية المولد ، وحين سُئل إن كان يوصي الإسرائيليين بالحصول على جواز ثانٍ ، قال إن كل من يستطيع عليه أن يفعل ذلك ]
ان المُتابع لتصريحات قادة الكيان منذ بداية هذا العام يشعر بحجم القلق الذي ينتاب هؤلاء القادة ، والذي انتاب “الدولة” بمؤسساتها ورموزها ، فقد أصبح سؤال المستقبل هاجسًا يسيطر على غالبية المسؤولين ، ما لم يكن جميعهم ، حتى تكاد لا تجد بينهم من يحتفظ برصيد زهيد من الثقة بمستقبل المشروع الصهيوني ومستقبل “الدولة”، وخصوصًا أن سرديات التاريخ تسيطر عليهم وتحملهم إلى مزيد من عدم الثقة باستمرار مشروع الدولة وبقائه
قال رئيس العدو الإسرائيلي “إسحاق هرتسوغ “في تعليق على تطورات الأزمة السياسية التي أشعلتها سياسات حكومة نتنياهو ، “إنّ إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي في مرحلة صعبة وأزمة داخلية عميقة وخطرة تهددنا جميعاً”، وأضاف “نحن منقسمون ومتخاصمون أكثر من أي وقت مضى”
وتابع ” هذه الأزمة الداخلية العميقة والخطرة تهددنا جميعًا ، وتهدد المنعة الداخلية والتضامن الإسرائيلي ، وهي خطرة جدًا جدًا “
وقد حذّر في تعليقه هذا من إمكانية التدهور إلى هاوية سحيقة ، ومن وصول “إسرائيل” إلى نقطة اللاعودة ، وأبدى خشيته من انهيار “الدولة” قبل أن تبلغ 80 عامًا من العمر ، كما حدث لمملكة داوود ومملكة الحشمونيين/ الحشمونائيم
ولقد سبق رئيس وزراء العدو المستقيل ، “نفتالي بينيت”، ” إسحاق هرتسوغ” في التعبير عن تلك المخاوف العظيمة التي يعيشها القادة الصهاينة
حيث قال في تصريح له في 3 حزيران/يونيو من العام الماضي 2022 ” ان الدولة تقف أمام اختبار حقيقي ومفترق طرق تاريخي ، لأنها تشهد اليوم حالة غير مسبوقة تقترب من الانهيار ، ولأنها تواجه لحظة مصيرية ، وتواجه خطر السقوط والانهيار بسبب عدم الانسجام بين مكوناتها من جهة ، وبسبب جهود المعارضة اليمينية لإسقاط الحكومة من جهة أخرى”
[ وقد كانت (سرديات التاريخ اليهودي حاضرة عنده) مثلما كانت حاضرة عند رئيس “الدولة” حين أشار إلى تفكك الدولة اليهودية مرتين قبل قيام “دولتهم” الحالية ، مرة عندما بلغ عمرها 77 عامًا ، ومرة ثانية حين بلغت 80 عامًا ]
كما عبر رئيس وزراء العدو الأسبق ، “إيهود باراك ” عن مخاوفه من قرب زوال “إسرائيل” قبل حلول الذكرى الـــ 80 لتأسيسها ، مستشهدًا في ذلك بالسرديات التاريخية ذاتها
وبإضافة بنيامين نتنياهو رئيس وزراء العدو الى القائمة ، نجد انه قد سبق رفاقه في التعبير عن المخاوف من زوال “الدولة”، فقد قال عام 2017
[ “سأجتهد كي تبلغ إسرائيل عيد ميلادها المئة ، لأن مسألة وجودنا ليست مفهومة ضمنًا وليست بديهية ، فالتاريخ يعلمنا أنه لم تُعمَّر دولة للشعب اليهودي أكثر من 80 سنة” ]
وفي عام 2009 ، نشر البروفيسور [ يحزقيئيل درور ] ، المستشار السابق في وزارة الدفاع ، وعضو لجنة “فينوغراد” للتحقيق في حرب لبنان الثانية ، كتابًا بعنوان “التوجهات الأمنية والسياسية لإسرائيل”، تناول فيه المخاطر المحيطة بـ”إسرائيل” والمشاهد المستقبلية لـ”الدولة”
وقد ركز على مشهد الحرب المدمرة التي تخوضها المقاومة اللبنانية ، والتي تستهدف الكيان بهجمات صاروخية متعددة المصادر ، وعلى تعرّض الكيان لهجمات معلوماتية ضاربة تشوش أنظمتها المعلوماتية
واستعرض درور مشهد تبدل المواقف والسياسات الأميركية بتخفيف تدخلها في الشرق الأوسط ، وتقليل دعمها لـ”إسرائيل” ورحيل “جيشها” عن المنطقة وطرح علامات استفهام حول مستقبل “إسرائيل”
وفي ظل الانقسام العمودي الذي عمقته سياسات نتنياهو وحكومة اليمين الأكثر تطرفًا التي ألفها، وخصوصًا سياساته التي يريد عبرها وضع القضاء تحت عباءة السلطة التنفيذية ، تصاعدت المواقف المعبرة عن حالة اليأس والقنوط أو الخوف من المستقبل
وفي الجانب العربي والإسلامي لا تندر الكتابات والنظريات عن زوال إسرائيل والتصورات عن تلك النهاية ومواعيدها المتوقعة
إن هذه الدولة ستواصل التقهقر وإن المقاومة الفلسطينية ستنهك إسرائيل إلى أقصى حد حتى وإن لم تتمكن من هزيمتها ، مما سيجعلها مرشّحة للانهيار خلال بضع سنوات لأن “الدورات التاريخية أصبحت الآن أكثر سرعة مما مضى
“في حروب التحرير لا يمكن هزيمة العدو وإنما إرهاقه حتى يُسلم بالأمر الواقع”، وقد شاهدنا كيف أن المقاومة في فيتنام لم تهزم الجيش الأميركي وإنما أرهقته لدرجة اليأس من تحقيق المخططات الأميركية وهو ما فعله المجاهدون الجزائريون على مدى ثماني سنوات في حرب تحرير بلدهم من الاستعمار الفرنسي
فضلاً عن ان العدو “دولة عنصرية تعاني من مشكلة ديمغرافية ” فالعرب يتكاثرون واليهود يتناقص عددهم من خلال النزوح وانقطاع الهجرة والإحجام عن الإنجاب”
وقبل ذلك هناك إخفاق أكبر يتمثل في “سقوط الإجماع الصهيوني” على نظرية “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، فقد وجد اليهود شعبًا حيًا مقاومًا في فلسطين ولم يستطيعوا توحيد صفوفهم كشعب واحد ، خاصة أن غالبية اليهود في العالم ما زالت تعيش خارج إسرائيل
كما صدر مؤخرًا كتاب فرنسي يحمل عنوان ( إحكام القبضة على إسرائيل.. نتنياهو ونهاية الحلم الصهيوني)
للكاتب ( باسكال بونيفاس) الذي يُدم على صفحات مدونته بموقع ميديابارت الفرنسي الشهير بأن نهاية الكيان سيكون على يد نتنياهو
ختامًا إن الكيان الغاصب المُسمى بإسرائيل ، هو اليوم في أسوأ أوضاعه الإستراتيجية….. فهل العرب مدركون ؟
للأسف كلا ، بل هم في طغيانهم يعمهون ، يكيلون لاخوتهم ، نصرةً لعدوٍ غاصب هو نفسه يدرك جيدًا اقتراب زواله
2023-08-15
