••هل ستكون بوركينا فاسو أول مستعمرة فرنسية سابقة تستفيد من الكهرباء التي تولدها محطة نووية؟

أدريس آيات
- أو هنا ذكاء القيادة الجديدة في بوركينا فاسو ، والذي غاب عن النيجر لمدة 6 عقود مع أطناناها من اليورانيوم!!!
” نحن لا نغادر مستعمرًا إلى آخر، إنّما نناقش شراكات وفق مصالحنا” هكذا كان تصريح إبراهيم تراوري، رئيس المجلس العسكري ببوركينا فاسو!
في جلسة عمل وقعت في سان بيترسبورغ في 28 يوليو 2023 بين الوفد القادم من بوركينا فاسو بقيادة الرئيس إبراهيم تراوري والوفد الروسي برئاسة فلاديمير بوتين، تم التأكيد بشكل قاطع على أن بوركينا فاسو لا تسعى إلى المساعدة ولا إلى الانتقال من استعمار إلى استعمار آخر، بل إلى تحالف استراتيجي مع روسيا. في هذا السياق، سيتم تزويد الدولة بنسخ مصغرة من محطات الطاقة النووية التي ساعدت روسيا في تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء، بما في ذلك إنتاج الأسمدة وتطوير بذور الحبوب وتحسين تقنيات الزراعة، خصوصاً وأن روسيا تحتل المرتبة الثامنة عالمياً في إنتاج اليورانيوم.
إن الرئيس تراوري يُعد نموذجًا للقادة الشبان في أفريقيا الذين يدركون التحديات الحالية، وهذا يفسر لماذا وصفه الإعلام الروسي -أي إبراهيم تراوري- بأنه كأصغر رئيس في قمة روسيا-أفريقيا، وهو أيضاً النجم الحقيقي الذي ألهب الحضور بكلماته في 27 يوليو والتي أثارت الفتور المعتاد في خطابات القادة الأفارقة الذين يخشون من إثارة غضب أسيادهم الغربيين.
لفهم أهمية الاتفاقية البوركينية-الروسية للمفاعلات النووية السلمية المصغرة، يكفي الإشارة إلى كيف تقدمت ألمانيا على جيرانها – فرنسا وغيرها – في مجال التصنيع، وذلك بفضل روسيا التي كانت تزودها بأرخص غاز طبيعي في العالم عبر نوردستروم1 ووسائل التمديد الأخرى، مما جعل سعر الطاقة منخفضًا جدًا في برلين، ما جذب العديد من الصناعات إلى ألمانيا على مدى ثلاثة عقود.
فإذا كان سيتم تزويد بوركينا فاسو قريبًا بأول محطة كهرباء نووية في غرب أفريقيا، فإن النتيجة ستكون تخفيض سعر كيلوواط للساعة من الكهرباء بنسبة تتراوح بين 5 و10 مرات مقارنة بجيرانها، أي أنها ستكون أرخص من جميع الدول المجاورة. فهل يجب أن نكون عباقرة لنتوقع ما سيحدث في غضون عشرين عامًا في مجال الصناعة والطاقة في بوركينا فاسو؟
أما بالنسبة للحديث عن النفايات النووية، يمكن أن يتساءل البعض عن كيفية التعامل معها في بوركينا فاسو. هل فكر أحد بالسؤال لماذا فرض الغرب عقوبات على كل شيء في روسيا، باستثناء شركة “روساتوم” الروسية المختصة بمعالجة النفايات الإشعاعية؟
الإجابة: تعد روسيا في الوقت الراهن الدولة الوحيدة التي استطاعت أن تحوّل النفايات النووية الضارة في الماضي إلى وقود نووي جديد. فشركة روساتوم الروسية هي الرائدة عالمياً في مجال المعالجة النووية. لهذا السبب، حتى في زمن النزاعات، واصلت الشركة تزويد المصانع الأمريكية والفرنسية التي تعتمد عليها.
وعليه، كمواطن من دولة بوركينا فاسو أو مالي، أؤكد لكم أنّه إذا كانت إحدى مشكلاتكم تتمثل في نقص الطاقة الكهربائية للصناعة والإنارة، فإن قادتكم قد تحالفوا مع الحليف المناسب، وهو روسيا. بينما النيجر، التي كان قائدها محمد بازوم عميلًا لفرنسا، وقبله محمد إسوفو، هي الدولة التي تنتج اليورانيوم، لا يزال 90% من الشعب يعيش بدون كهرباء، وتستوردها من نيجيريا، وتحلّى ذلك بشكلٍ فاضح بعد عقوبات إيكواس على البلاد. على عكس مالي وبوركينا فاسو، اللتين ليست لديهما منجم واحد لليورانيوم ولا حتى نيجيريا، النيجر لديها مخزون يكفي لمائة عام مقبل، لماذا لم توفّر فرنسا ???????? للنيجر صفقة مماثلة في 60 عامًا من الشراكة.
كل دولة واعية ومسؤولة تعرف لماذا تختار شركاءها الاستراتيجيين. بوركينا فاسو، أرض الرجال الأحرار، يبدو أنها اختارت الورقة الرابحة في اختيار روسيا، وهذه الاتفاقية للنسخ النووية المصغرة خير مثال. فماذا قدمت لنا فرنسا في مجال التنمية يُماثل هذه الاتفاقية؟ نطرح السؤال لحزب محمد بازوم وأنصاره.
أما الدعاية التي تحدث عن الانتقال “من استعمار إلى استعمار” فهي مجرد همسات غربية يكررها البعض من الذين تم سلب تفكيرهم الناقد، ولم يطوروا القدرة على التفكير المركّب.
حيث يجب التساؤل: ما هو محتوى الاتفاقيات الجديدة بعيداً عما يرويه لنا الغرب المعادي لروسيا؟ هل تستولي روسيا (فاغنر) فعلاً على مناجم الذهب مثل الغرب؟ ما هي الأدلة على ذلك غير المصادر المضللة التي تأتينا من الصحف الغربية؟
الاستعمارالجديد من الغرب هو لبس أحرف جديدة لوجه قديم، استبدل الغرب معاونوه في تجارة الرقيق، بعميل في القصور، تلك هي المعادلة الاستعمارية الجديدة. بل عهود ما سمي بفترات الاستقلال ما هي سوى مرحلة من مراحل السيطرة والهيمنة الغربية على القارة. وتتطلب هذه المعادلة استخدام كل وسائل الضغط والتهديد والرشوة والابتزاز. وهي الوسائل التي استخدمها الغرب في ضمان تقدم مرشحيه في الانتخابات بمعظم الدول الأفريقية، بمن فيهم محمد إسوفو ووليّ عهده محمد بازوم.
لكن من الواضح أن الفترة الزمنية الراهنة تعيش فيها أفريقيا ضمن توازنات جديدة، وتأكيداً على هذا، فقد اتفق الرئيس البوركيني إبراهيم تراوري مع الرئيس الروسي بوتين على إعادة توجيه حقيقة العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي وتحقيق التعاون الدولي الفعّال والمتوازن. وهما لم يتوقفا عند ذلك، بل ذهبا أبعد في إقامة شراكة استراتيجية قوية وثابتة تتعدى الأبعاد الثنائية التقليدية، كالتعاون في المجال النووي، الذي حرمت فرنسا منها النيجر.
الختام: هو البداية
هناك العديد من العقبات التي تحتاج المستعمرات الفرنسية السابقة إلى تجاوزها في الطريق نحو تحقيق النجاح في مجال العلاقات الدولية والتعاون الاقتصادي والاستراتيجي بين الدول، ولكن يبدو أن جيل إبراهيم تراوري قد حدد هدفًا واضحًا وواقعيًا يمكن تحقيقه. وبهذا فإنه يضع الأساس لبناء علاقة قوية وثابتة في أفريقيا وخارجها. وهذا يعبر عن رؤية استراتيجية جديدة تسعى إلى تحقيق التوازن في العلاقات الدولية.
إذا، فمن يقدّم تفسيرًا للتحالفات الأفريقية على أنها “انتقال من سيدٍ إلى آخر” أو تحول من نوعٍ من العبودية إلى عبودية أخرى، يكون إما شخصًا عنصريًا كما في الغرب أو مفتقدًا للتفكير النقدي.
فتصوير العلاقة مع روسيا أو الصين بأنها “خروج من كولونيالية إلى نيوكولونيالية” هو موقف عنصري لا يكشف عن حقيقته. إذ لا يرى المتحدث الأفارقة سوى ” خدمٍ” بحاجة إلى سيد.
على سبيل المثال، تجد محللًا يصف علاقة روسيا بسوريا بأنها “تحالف بين روسيا وسوريا في منطقة الشرق الأوسط” كما يصف الصفقة التجارية التي أبرمته المملكة العربية السعودية وشركات صينية بقيمة 10 مليار دولار في يونيو 2023 بأنها “صفقة تجارية مربحة.” وليست “فخّ الديون” وفي شمال أفريقيا، بعد أن طردت الجزائر فرنسا في ثورة مجيدة، توسم بأنها “تحالفت مع روسيا.”. لكن حين يتعلق بالأفارقة جنوب الصحراء الكبرى، فيُوصف الشراكة مع روسيا بأنّه “نوعًا من الاستعمار الجديد”؛ لأن الأفريقي – بحسبهم- يعتبر أقل من أن يبني تحالفًا مع أي شريك، ويجب أن يوسمَ بعبارات محقّرة – فإذنْ لا بد له من مستعمر!
هو تحليل يظهر عدم قدرة المتحدث على رؤية الأفارقة باعتبارهم حلفاء نشطين يبحثون عن مصالحهم في علاقات نديّة.
هكذا يصفه الغربي الذي يشعر بحسرة من تعدد تحالفات الأفريقي راهنًا. المؤسف أن يتم تكرار هذا التصوير من قبل الأفارقة دون تحليل أعمق، ودون الإدراك أنّهم يكرّسون صورة نمطية بغطاء عنصري.
إدريس آيات- قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت
2023-08-14