عجيب أمر هذا الرجل الذي حمل يوماً صفة رئيس وزراء سورية، عنيت به رياض حجاب، فبعد أن كسب ثقة الكثير من السوريين، واحترمت دولته إنسانيته وتفهّمت مخاوفه فسمحت له بالخروج، يسقط في أحضان العمالة ويطفو على السطح بعد أن تمّ تعويمه وتسميته منسقاً لمؤتمر معارضة الرياض…
وحدها الرياض جعلت منه حجابها، فليس بين أزلامها من يحمل صفة أفضل… متجاوزة صفة «فخامة الرئيس» التي خاطبه بها سعود الفيصل، كما تجاوزت غيره…
العجب ليس هنا فقط، بل الأكثر عجباً تبعية أشخاص المعارضات وتناقض برامجهم، للسعوديين حصة، وأخرى لتركيا، والبعض لقطر، ولا يمكن نسيان أتباع الغرب، ويُقال إنهم علمانيون، من كيلو إلى صبرا وصولاً إلى غليون، حجاب الرياض تجاوز هؤلاء جميعاً وتجاوز كثيرين ممّن يحملون اسم رياض، من نعسان آغا إلى الأسعد إلى الشقفة إلى سيف…
وغيرهم، هل هي المفارقة أم الشبه والمطابقة؟ أجرؤ على القول إنّ حجاب الرياض لا يحلم أن يسمع كلمة «فخامة الرئيس»، فالرؤوس الطامحة كثيرة، وكلها إلى…
جيش من المستشارين، منسّقة بريطانية، وضباط أتراك وسعوديون، وما خفي أكثر، هنا نجد أنّ رئيس الوفد الحكومي السوري نطق بالحقيقة عندما سئل عمّن سيفاوض؟
أجاب نحن نفاوض دولاً تعرفونها، ولسنا نفاوض وفد معارضة سورية! المعارضات المتعدّدة الولاءات والمقاصد ستدفع بأيّ حوار إلى الفشل الحتمي، وقد ظهرت بوادره قبل البدء لأنها متناحرة ولا يمكن لها أن تتفق أبداً.
لو كان التفاوض بين الحكومة السورية وأطراف المعارضات بعد أن تتفق على منهاج وبرامج ومطالب ما كان للسعودية أن تعترض أو تفرض من يمثلها، كذلك تركيا التي تضع فيتو على مشاركة مكوّن سوري أساس، يمثل طيفاً أوسع بكثير مما يمثله السيدا أو صبرا أو كيلو! في المقابل، فإنّ هذا الاعتراض والرفض يعطي المبرّر لأطراف أخرى لتضع فيتو أو تعترض على مشاركة تنظيمات عسكرية مدانة وموثقة اعتداءاتها وممارساتها بحق المدنيين والمراكز الرسمية وحتى الممثليات الديبلوماسية، وربّ قائل إنّ كلّ هذه العقبات يمكن تجاوزها والوصول إلى حلول وسط من حيث التمثيل لاستكمال الحوار والوصول إلى حلول، بالأحرى إيجاد المبرّر لتتدخل الدول الكبرى فتفرض حلولاً تخدم مصالحها.
منذ اليوم الأول لوصوله إلى جنيف يهدّد حجاب الرياض بالانسحاب والعودة إنْ لم يتوقف قصف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة! أية معارضة؟ يقول الحجاب إنّ حوالي 70 من أراضي الجمهورية خارج سيطرة الدولة، ولكن، كم هي نسبة ما يسيطر عليه أتباع الرياض؟ وهل توقف الدولة ضرب الجماعات التي تعتدي على المدنيين لمجرد أن يطلب الحجاب؟
وهل هو في موقع يسمح له بتوجيه مثل هذا الطلب؟ في المقابل هل يستطيع الحجاب أو الرياض بذاتها إصدار أمر بوقف اعتداءات الجماعات الإرهابية على الأحياء الآمنة في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص وغيرها؟
من يطالب بوقف القصف الذي تستدعيه عمليات الردّ على العدوان، عليه أن يمتلك سلطة قرار مقابل، وأن يبدأ بنفسه، والحقيقة غير ذلك أبداً.
ربما تصل المساحات التي تسيطر عليها جماعات «داعش» إلى حوالي 60 ، أو أقلّ، وتبلغ المساحات التي تسيطر عليها «النصرة» ومتفرّعاتها ما لا يزيد عن 10 ، المساحات التي تسيطر عليها «داعش» أغلبها بواد وصحارى ونسبة السكان فيها قليلة جداً باستثناء الرقة، حيث تنتشر عصابات التنظيم في أرياف حلب الشمالي والشرقي، والرقة وريفها وريف دير الزور، وبعض بادية حمص وصولاً إلى القريتين، كما تتواجد في جرود القلمون الجراجير ، أما «النصرة» فتنتشر في مناطق وبؤر صغيرة متباعدة عدا تجمّع إدلب، حيث «جيش الفتح» الخليط من مجموعات منشقة عن «جبهة النصرة» غايتها الخروج بعيداً عن القرار الدولي الذي يعتبرها منظمة إرهابية، ومن هؤلاء «أحرار الشام» و«جيش الإسلام» ومجموعات عديدة أخرى، فإذا كان هذا الواقع فأين هي المجموعات المسماة معتدلة؟ علماً أنّ بقايا «الجيش الحر» لا يجرؤ أيّ منها على الظهور أو الخروج بعيداً عن مساحات محدودة جداً في ريفي حلب وإدلب قرب الحدود التركية، أما في غوطة دمشق فوجود «جيش الإسلام» محصور في دوما وأجزاء مطوّقة من الغوطة الشرقية الشمالية، ويتخذ هؤلاء من المدنيين دروعاً بشرية في الوقت الذي يوجهون فيه قذائفهم لضرب المدنيين في دمشق وضواحيها الآمنة، أما في درعا فوجود «النصرة» لا يمكن التستّر عليه وانْ اتخذ مسمّيات ألوية حوران أو غيرها، وصراعهم مع «داعش» مشهود، ويبقى السؤال الأهمّ: ما هي القدرة التي يتمتع بها تآلف الرياض لفرض وقف إطلاق نار متبادل، علماً أنّ الثقة بهذا الأمر مفقودة تماماً على المستويين الحكومي والشعبي وبالمطلق؟
أن ينسحب حجاب الرياض ومن معه لهو أمر مرحب به ولن يكون له أيّ تأثير إذ لن يقدّم ولن يؤخّر، لكن انسحابه يشكل إحراجاً لوزير الخارجية الأميركي الذي هدّد برفع الغطاء عن هؤلاء وتركهم يحصدون ثمار غرورهم واعتقادهم الخاطئ بأنهم أصحاب موقف وكلمة! وأنّ لهم على الأرض ظلاً فاعلاً ومؤثراً، وهو غير موجود.
إذا كان صراع المعارضات بهذه الحدّة حتى قبل الوصول إلى جنيف، وبمجرد وعود أشبه بأحلام يقظة تدفع إلى هذا الصراع والبحث عن مكاسب مستقبلية لن تكون لأيّ منهم طالما هو موصوم بالعمالة والتبعية، وأنه مجرد خادم لمشروع يناقض الوطن والوطنية، فالأفضل لمؤتمر جنيف أن يأخذ منحى ومساراً مغايراً تحاور فيه الدولة السورية دول العدوان السعودية وقطر وتركيا وفرنسا عبر الوسيط الدولي وبحضور ممثلين عن روسيا الاتحادية والولايات المتحدة فقد تكون النتائج أكثر إلزاماً وجدية وستكون ضغوط الدولتين العظميين كفيلة بوقف الحرب… والقضاء على الارهاب.
حجاب السعودية ليس بقادر على ستر الهزائم التي تلحق كلّ يوم بأدواتها وأدوات الآخرين ووحده الجيش السوري وعملياته تسطّر نتائج القرارات التي ينتظرها الشعب…
إنها قرارات الاستمرار لتحقيق النصر الذي يخطه جنودنا البواسل والقوى الرديفة بدمائهم.