نقاش مختصر لما قاله الشيخ القرضاوي بحق الشيعة
ضيف حمزة ضيف
مثير للأسف حقاً ما تفوّه به الشيخ يوسف القرضاوي معبّر عن أسفه بما هو أكثر بـ : ” نادم على سنوات قضاها في محاولة التقريب بين السنة والشيعة..” و نقلتها جريدة “الشرق الأوسط” ، تلك المحاولات التي ظننا وقتها أنها نموذجاً لما يجب أن يكون عليه ” رجل الدين” ، بيد أن الفرحة تلك لم تستمر كما يجب ، لا سيما أن الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، قد كلله الفشل بسبب التدخل السياسي ، و عجزه التام عن الانفصال عن الحاضنة التي ترفده بالمال و التنظيم و ما تأدّى عنها من عوامل البقاء و التعريّة في آن .
الشيخ القرضاوي الذي ألف أن يعِد و يتوانى عن الذهاب بعيداً في تسجيل ما وعد به و إخراجه من السر إلى العلن ، و لا أدل على ذلك – و بما أن السياق جاء مساوقاً للمناسبة – ممّا قاله المحدث الشامي محمـد ناصر الدين الألباني في حقه ، حين وعده بأن يأخذ بتصحيحه للأحاديث الواردة في كتابه ” الحلال و الحرام في الإسلام” ، ثم جاءت الطبعات تلو الطبعات دون تصحيح فنّي ، كان قد وعد به الشيخ القرضاوي محدّث الشام الشهير ، و تلافاها التجاهل بعد ذلك ، و قد جاء ذلك موثقاً في شريط مسموعو صريح الاعتراف ، مما يُعرف عند السلفيين بـ” أشرطة الهدى و النور” التي أشرف عليها تلميذ الألباني المسمّى أبو ليلى الأثري .
و الحقّ أن الشاهد الذي ذكرناه ليس من أجل استبطان أراء السلفيين في ” التقريب بين المذاهب” ، ذلك أن موقفهم الأوّلي يشبه إلى حد كبير ما توصل إليه القرضاوي حديثاً ، و إنما هو لبسط النظر في وعود الشيخ القرضاوي المقفّاة بما يناقضها على سبيل المشهور عنه .
جاء ما قاله رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، مشوباً بالكثير من الحقن الطائفي ، و مبتعداً عن أي مسؤوليّة شرعيّة لتبعاته المؤسفة ، و إذّ إن دفاعنا عن الشيعة ليس من منطلق تسييّد مذهب على آخر بما يمليه التقدير المتسرّع ، و إنما العمل جهدنا على تلافي تطييّف المنطقة فوق ما هي عليه ، من احتراب ديني سببه خلط الديني بالسياسي ، و هو الذي أسفر عن إخراج المحتوى السياسي العربي من طبيعته السجاليّة و الدنيويّة ، إلى مصافٍ تعوزها فرامل ضروريّة تقيّ الصراع من استكمال جاهليّته الجهلاء ، و تفتح له مصبّاً باسق الأبديّة للاستمرار و الامتثال .
لم يكن الشيخ القرضاوي في مستوى زميله الراحل الشيخ محمـد الغزالي ، الذي قال في تصور متحضّر جداً : ” الفرق بين السنة و الشيعة كالفرق بين الحنابلة و الأحناف” ، و غنيّ عن القول أن الحنابلة مدرسة حديث عجّ كتاب مؤسسها الإمام أحمد بن حنبل ” المسند” بالأحاديث الضعيفة و حتى الموضوعة و المكذوبة باعتراف السلفيين أنفسهم ، في حين الأحناف يُلقبون بمدرسة الرأي ، وصل فكرهم من التنوير إلى التفرقة بين كراهة التحريم و كراهة التنزيه .
نتساءل بجد و خيبة : أين الشيخ القرضاوي من فتوى شيخ الأزهر الراحل محمود شلتوت بجواز التعبد بالمذهب الجعفري الإثنيّ عشري ، في رغبة صارمة منه من أجل التخفيف من الحجر الديني على المخالف ، و ما يطرأ عليه من تكفير يقود إلى القتل و إهراق الدماء ؟
لقد نُقل عن مؤسس المذهب الجعفري الشيخ جعفر الصادق تحريمه القطعي النيل من الصحابة ، و أعتبرهم عدول كلهم ، و ما تلاهُ من فتوى بعد ردح من الزمن للسيد حسين فضل الله من التحريم ذاته ، وصولاً إلى الشيخ علي الأمين ، الذي طابقَ ما قاله مراجع شيعة كُثر لم يتأثروا بخرافات نعمة الله الجزائري و محـمد باقر المجلسي .
لعل المفكر الاسلامي محـمد سليم العوا محقاً تماماً بالقول بحرمة الدعوة إلى مذهب في أغلبيّة من المذهب الآخر ، و دعواه إلى التقريب بين السنة و الشيعة و تحمّله سلسلة الاتهامات المستمرة بالعمالة إلى إيران، جديرة بسبر أغوار الفتنة التي تشعلها أقوال موتورة مثل التي نطق بها القرضاوي .
حماية للدين نفسه ، ينبغي أن يكون رجاله دعاة خير و تقريب ، و ليسو أدوات سياسيّة تزخر بالخلفيات التاريخيّة ، التي يمكن استقراؤها بعيداً عن غائيّتها المزمنة ، و ما أسفرت حرابها من موت مشترك بلغ حدود التعتعة ، و لما كان من الأمر ما صار و حدث من فتنة كبرى بين الصحابة بعد وفاة الرسول ، لم ينقل التاريخ أن أحدهم كفّر الآخر على الإطلاق ، من روايات تحظى بالثقة و التواتر ، مما يعني أن صراعهم كان سياسياً بامتياز ، لم يتدخل الدين في ثناياه كما نشهد اليوم من زور مديد يجتاح المنطقة ، و يصحح أخطاء الحاضر بمرتجعات تاريخيّة ، تفتقد إلى الدقة و التصحيف و النظر بأكثر من عين .
ما قاله الشيخ القرضاوي يعجّل بانتهاء وسطيّته القديمة ، و تدليل صادق على النتاج الكارثي لخلط الدين بالسياسة ، و استغلاله على النحو الذي تطرقه السياسة من مصالح و منافع .
ألم يعتمد رواة الحديث السنة الذين يتخللون كتب القرضاوي و السلفيين من بعده و قبله ، على رواة شيعة ، من مثل الحسن بن حيّ و الحسن بن عتيبة الكوفي و حمران بن أعين و أبو أحمد بن عديّ و أبان بن تغلب الذي روى عنه للمفارقة ؛ الإمام أحمد بن حنبل و عدّه ثقة من الثقات و هو شيعي جعفري ، و غيرهم كثر مما لا يتسع المقام لذكرهم جميعاً ، و إذا حدث و أن أصابوا الصحابة بالسباب كما يقول القرضاوي فما أحوج البخاري و مسلم و أحمد و النسائي و الترمذي و ابن ماجة للنقل عنيم عن طريق العنعنة ، و هي نقل صحابي عن صحابي ، كيف يحظون بالثقة و الصحة عند أئمة الحديث الكبار من أهل السنة و هم يسبون الصحابة كما قال القرضاوي .
أعتقد أن هذا كافياً لدعاة الطائفيّة حتى يكفوا عن سلخ المنطقة بما يزيد من الاحتقان ، و دعوة لهم لقراءة التاريخ مرةً أخرى بعيداً عن هرج المتعصّبين هنا و هنالك ، و من جهة أخرى ضرورة الدفع إلى فصل الدين عن الدولة بما يحفظ للمؤمنين هيبتهم و تواجدهم ، و بما يحمي مواطنو الدولة على اختلاف مشاربهم من الاقتتال المذهبي المؤسف .
كاتب جزائري
عن رأي اليوم
31/01/2016
