الولايات المتحدة وترويج المخدرات(2)!
الطاهر المعز*
عملية كوندور في المكسيك
في نفس الفترة تقريبًا وتحت نفس الاسم، أدى تعاون رسمي بين إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية والجيش المكسيكي والشرطة المكسيكية إلى القضاء على آلاف الهكتارات من نباتات الخشخاش والماريغوانا، مما ألحق دمارًا كبيرًا بالعديد من صغار المزارعين وأطلق العنان لموجة من القتل والعنف لا يزال مستمرًا حتى اليوم، وكان الهدف الحقيقي من عملية كوندور المكسيكية هو القضاء على اليسار المحلي، والقضاء على الزراعة الصغيرة والعائلية مقابل دعم الزراعات الكبرى، فضلا عن إعادة تنظيم الجيش المكسيكي وتمركزه لصالح حفنة من الأطراف الفاعلة المهيمنة، ولخدمة أجندة خفية تكاد تكون مطابقة لأجندة كوندور، وعندما ينتقد ماركو روبيو فعالية عمليات المكافحة وغيرها من أساليب إنفاذ القانون التقليدية في الحد من تهريب المخدرات لصالح العمليات “العسكرية”، فإنه يناقض جميع التقييمات التجريبية القائمة لفعالية الحرب على المخدرات؛ ولكنه يتوق أيضًا إلى نوع من الترخيص الذي كان سائدًا في حقبة الحرب الباردة لشن حرب قذرة باسم هدف أكبر.
تعهدت إدارة دونالد ترامب بتقديم أربعين مليار دولار لدعم استقرار البيزو الأرجنتيني، لكن هذه الأموال ستتبدد إذا خسر حزب الرئيس اليميني المتطرف خافيير ميلي أغلبيته في الانتخابات، وفي نفس الوقت تم توجيه تهم مختلفة إلى ضابط وكالة المخابرات المركزية المخضرم، بوب سينسي، من ضمنها تهمة التآمر لارتكاب “إرهاب المخدرات”، إلى جانب مسؤول سابق رفيع المستوى في إدارة مكافحة المخدرات، بتهمة غسل 750 ألف دولار وشراء قاذفات قنابل يدوية تجارية وطائرات مسيرة قادرة على حمل ستة كيلوغرامات من مادة C-4 لصالح مخبر حكومي متنكر كعضو في كارتل مكسيكي، ونصح الاثنان المخبر بـ”إيهام الناس بأنهم ينقلون عمليات تهريب الفنتانيل من المكسيك إلى كولومبيا لصرف الأنظار عن المكسيك” وتوجيهها نحو حكومة بيترو، وبدأ تنفيذ الخطة قبل أسابيع قليلة من انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
يصف كتاب السيرة الذاتية “أمريكا في الليل”، الذي كتبه لاري كولب، وهو أيضاً من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، مُبيّض الأموال بأنه وسيط ماكر عرّفه عليه جورج بوش الأب شخصياً سنة 1985، وكان يرفع تقاريره مباشرةً إلى مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك، بيل كيسي، وفي ذلك الوقت، كان سينسي متورطاً في قنوات إيران-كونترا السرية في الشرق الأوسط، حيث كان الجواسيس والمتعاونون غير الرسميين يلتقون سراً مع حزب الله ومسؤولين إيرانيين للتفاوض على فدية سرية لمجموعة من الرهائن، ومع ذلك، اتُهم بتحويل أموال من عملية سرية في الخطوط الجوية الكويتية، ووفقاً للكتاب، فإنه يسعى للانتقام منذ ذلك الحين. وعلّق ضابط مخابرات سابق بأن مشاكل سينسي القانونية الحالية لن تدوم طويلاً، إذ تعتبره إدارة الرئيس دونالد ترامب مفيداً، كما فعلت الإدارات السابقة مع معظم الشخصيات الرئيسية في قضية إيران-كونترا الذين تمكنوا من الإفلات من العقاب خلال العقد الأخير من القرن العشرين…
إشراف إدارة مكافحة المخدرات على مصانع للكوكايين في أمريكا الجنوبية
كانت عائلة تابراوي، التي انتمت في سبعينيات القرن العشرين إلى منظمة شهيرة لتهريب المخدرات مرتبطة بخوسيه ميداردو ألفيرو كروز، أحد قدامى المحاربين في البحرية، والذي كان يقود سيارة رولز رويس. وعندما أُلقي القبض على كروز ومجموعة من شركاء تابراوي سنة 1979، انخرطت مجموعة من قدامى محاربي خليج الخنازير في أول نجاح كبير لعملية كوندور في ثمانينيات القرن العشرين والمتمثلة في عملية ضبط الكوكايين في بوليفيا. حيث تم التعاون بين مجرم الحرب النازي كلاوس باربي وألفريدو ماريو مينغولا، خبير العمليات النفسية الأرجنتيني الذي تلقى تدريبه في فلسطين المحتلة على يد الإستخبارات العسكرية الصهيونية، وتَحَوَّلَ إلى تاجر كوكايين، في الأسابيع التي تلت انتخاب مرشح رئاسي يساري، وأسس تابراوي واحدة من أكثر دول المخدرات وضوحًا في العالم. في حين سارع المجلس العسكري إلى إطلاق سراح تجار المخدرات من السجن، بل وافتتح مصنعاً للكوكايين زعم زعيم العصابة الأبرز في البلاد أنه “تسيطر عليه إدارة مكافحة المخدرات”، سارع تجار المخدرات إلى التعاون مع النظام الجديد، في دورة تكررت في العام التالي مع الوفاة المفاجئة لتوريخوس الذي اغتالته الإستخبارات الأمريكية، ووصول نورييغا، وهو تاجر مخدرات ذو توجهات مماثلة، إلى الحكومة.
لكن نيكاراغوا، حيث كان سوموزا مُضَيّفًا مطيعًا للمرتزقة المناهضين للشيوعية خلال الحرب الباردة، سقطت في يد الثُّوَّر الساندينيين سنة 1979، واعتبرت قواعد قوات المُرتزقة السابقة ذلك بمثابة إهانة شخصية. ولمحاربة الساندينيين، مولت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وتجار المخدرات المتزايدون اتحادًا من الميليشيات المناهضة للشيوعية يُعرف باسم “الكونترا”، والذي اتخذ من السلفادور وكوستاريكا وغواتيمالا وبنما قواعد له، وأضرمت هذه الجماعات النار في خزانات النفط، وزرعت ألغامًا مغناطيسية في الموانئ، وقصفت مطار ماناغوا ( عاصمة نيكاراغوا)، وكل ذلك بهدف، كما وصفه أحد مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية، تحويل نيكاراغوا إلى “ألبانيا أمريكا الجنوبية”، وفي غضون ذلك، تسببت الحملة الأمنية في زيادة مفاجئة بنسبة 250% في عدد نزلاء السجون الأمريكية بين سنَتَيْ 1975 و1990، مما أدى إلى صدمة نفسية دائمة للعائلات والمجتمعات. ولأن الكونغرس كان يعمل بشكل مختلف آنذاك، فقد سنّ سلسلة من خمسة قوانين في محاولة لمنع إدارة رونالد ريغان من استخدام المال العام، أموال دافعي الضرائب، لتمويل الكونترا. وكانت شبكة تهريب المخدرات الواسعة التابعة لوكالة المخابرات المركزية قد فعلت ذلك بالفعل، لكن تشديد القيود أدى إلى حملة مكثفة لجمع التبرعات خارج نطاق القانون، ونظّم تابراوي عمليات “مناهضة للشيوعية” في نيكاراغوا انطلاقًا من نادٍ اجتماعي يملكه يُدعى “نادي أوليمبو”، ونظّمت كنيسة التوحيد جولات خطابية مناهضة للشيوعية مع قادة الكونترا، باحثةً عن تجار مخدرات يواجهون مشاكل قانونية لتقديم خدمات الضغط لهم داخل الدولة العميقة مقابل المال والأسلحة. وقدّم ميليان رودريغيز، وهو أحد تلاميذ مانويل أرتيمي السابقين، ما يقارب عشرة ملايين دولار نيابةً عن كارتل ميديلين، سُلّمت مباشرةً إلى فيليكس رودريغيز.
تابروي، سيسيليا و… ماركو روبيو
هاجر أورلاندو سيسيليا إلى ميامي في العام الذي وُلد فيه ماركو روبيو، وبدأ بمواعدة أخته بعد ذلك بفترة وجيزة، وكان شخصية بارزة في طفولة روبيو، وعندما استقر آل روبيو في لاس فيغاس، بدأ سيسيليا العمل لصالح شبكة تهريب المخدرات التابعة لتابراو…
أدى رحيل ريكاردو موراليس المفاجئ وإهمال المدعية العامة المستقبلية، جانيت رينو، إلى كشف سلسلة من قضايا تهريب المخدرات المترابطة ضد تابراوي ونحو ستين كوبيًا مناهضين للثورة ولنظام كوبا، معظمهم من ميامي، وكان موراليس أيضًا من قدامى المحاربين في خليج الخنازير، وإرهابيًا معترفًا به، ويُشتبه في تورطه في اغتيال جون كينيدي، وكان تورط عائلة تابراوي في تهريب المخدرات سرًا مكشوفًا، وفقًا لمذكرات الشرطة من سبعينيات القرن العشرين وسجل أعمال غييرمو تابراوي للعام 1981 في عنوان متجر المجوهرات تحت اسم “موتا إمبورت كورب”، لكنه كان بمنأى عن المساءلة: فقد كان عشرات من ضباط الشرطة من ميامي وجزر فلوريدا كيز يعملون لصالحه طوال ثمانينيات القرن العشرين، إلا أن موراليس ومخبرين آخرين أبلغوا مكتب التحقيقات الفيدرالي أن صراعات داخلية على السلطة خرجت عن السيطرة على العملية، مخلفةً وراءها سلسلة من الضحايا، من بينهم زوجة تابراوي المنفصلة عنه ومخبر لمكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات يُدعى لاري ناش. وبحلول العام 1981 أعدّت النيابة العامة لائحة اتهام. وكشف تفتيش مساكن تابراوي عن 5400 كيلوغرام من الماريغوانا وأكثر من 150 بندقية هجومية ورشاشًا.
بدأت القضية بالانهيار عندما ركز محامو الدفاع على تسجيلات التنصت، وجادلوا بأن موراليس يفتقر إلى المصداقية، ليس فقط لكونه مجرماً محترفاً، بل أيضاً لارتباطه بمجموعة من عملاء وكالة المخابرات المركزية الفاسدين الذين عملوا لصالح القذافي وتآمروا لاحقاً لاغتياله.
قُتل موراليس برصاص شرطي خارج الخدمة خلال شجار في حانة بجزر فلوريدا كيز، وَوُصفت الحادثة بأنها “قتل مبرر” لا يُحاسب عليه أحد، فقدكان من الضروري التخلص من موراليس، فتم إعدامه بكل بساطة، من قبَل مناهضين لكاسترو، أو تجار مخدرات، أو حتى وكالة المخابرات المركزية، ولم يكن موراليس الضحية الوحيدة للتجسس. فقبلها بأشهر قليلة، تعرض عميلٌ في إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، كان يعمل في المكسيك، للتعذيب والإعدام بدقة متناهية، في جريمة ادعى ثلاثة محققين حكوميين أن فيليكس رودريغيز نفسه هو من دبرها.
الموقف المزدوج للحكومة الأمريكية
في العام الذي انضمت فيه سيسيليا إلى متجر تابراوي للحيوانات الأليفة، وُجهت إلى خورخي، وهو فرد آخر من عائلة تابراوي، تهمة في ديترويت إلى جانب ضابط شرطة استأجرته الشبكة لتهريب “معظم المارغوانا التي بيعت في ميشيغان على مدى السنوات الخمس الماضية” عبر شبكة من المركبات الترفيهية، وكانت العصابة قد أنزلت شحنة المارغوانا في لويزيانا على مرأى ومسمع من مسؤولي خفر السواحل الذين تلقوا رشاوى، ثم في عام 1985، وُجهت إلى لازارو، وهو فرد ثالث من عائلة تابراوي، تهمة بيع الكوكايين لضابط شرطة متخفٍ بالقرب من موقف سيارات متجر المجوهرات، إلى جانب ألبرتو رودريغيز، محرر صحيفة وأحد أعمدة شبكة المخدرات الكوبية. وفي عام 1987، انهارت العملية نهائيًا من خلال عملية أمنية مشتركة بين عدة جهات، أُطلق عليها اسم “عملية كوبرا”، حيث وُصف غييرمو تابراوي بأنه “الزعيم”، وابنه ماريو بأنه “رئيس مجلس الإدارة”، وأورلاندو سيسيليا بأنه “الواجهة” و”الرجل الثاني”…
في الأسبوع العاشر من محاكمة غييرمو تابراوي سنة 1989، مثل رجل يُدعى غاري ماتوكس أمام المحكمة وأدلى بشهادته بأنه كان حلقة الوصل بين تابراوي ووكالة المخابرات المركزية لمدة أربع سنوات في مشروع “ديكون” التابع لإدارة مكافحة المخدرات. وكان ماتوكس سابقًا حلقة الوصل بين إيدن باستورا، المنشق عن الساندينيين ( في نيكاراغوا) وتاجر مخدرات بارز من الكونترا ( الثورة المضادة في نيكاراغوا)، ومقره كوستاريكا. وكان كلاهما حاضرًا خلال العملية السرية التي قادها باري سيل، وانتشرت شائعات بأن جورج بوش نفسه ( الذي كان رئيس وكالة الإستخبارات المركزية قبل أن يُصبح رئيسا للولايات المتحدة) أمر ماتوكس شخصيًا بوقف العمليات…
كان الكشف عن كون تابراوي جاسوسًا أقل المفاجآت على الإطلاق، واتهم الادعاءُ محاميه بتعمد إخفاء هذه المعلومة الصادمة حتى لحظة وقوعها، بينما اتهم القاضي الحكومة بأنها “تتآمر”، واتضح أن تابراوي كان يعمل تحت اسم مستعار “أبراهام دياز” خلال سنوات عمله كمخبر لمنظمة “ديكون”، رغم وضعه كمخبر الذي انكشف في أول مداهمة كبيرة ضد زعيم عائلة تابراوي سنة 1981، عندما كان يبلغ من العمر 65 عامًا. وأُطلق سراحه أخيرًا خلال شهر آذار/مارس 1990 بعد بضعة أشهر فقط في معسكر اعتقال ذي حراسة مخففة في قاعدة ماكسويل الجوية.
بحلول ذلك الوقت، كان المدعي العام في قضية تابراوي، ديكستر ليتينن، قد انتقل إلى قضية أكبر، أي قضية رئيس بنما (نورييغا) الذي خلعته لإمبريالية الأمريكية، بعد سنوات طويلة من العمالة لوكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية، واستخدمت إدارة جورج بوش الأب ضده تهم تهريب المخدرات وغسيل الأموال كذريعة لغزو البلاد. وكان شاهدها الرئيسي رامون ميليان رودريغيز، محاسب لدى كارتل ميديلين، الذي كان من المقربين لمانويل أرتيمي في سبعينيات القرن العشرين، وادعى أنه دفع لنورييغا ما بين 320 و350 مليون دولار لحماية شحنات أموال المخدرات إلى مصارف أمريكا الوسطى، لكن أدلى ميليان رودريغيز بشهادته أيضًا بأنه أرسل نحو عشرة ملايين دولار إلى الكونترا ( مليشيات الثورة المُضادّة في نيكاراغوا)، بقيادة فيليكس رودريغيز، على أمل كسب ودّ وكالة المخابرات المركزية، وفي وقت لاحق، ادّعى نورييغا أن وكالة المخابرات المركزية دفعت له عشرات الملايين من الدولارات مقابل مشاركته في الحرب القذرة على المخدرات. ولم تتمكن الوكالة من العثور إلا على سجلات تُثبت حصوله على 330 ألف دولار…
حققت الحملة لغزو بنما وتحميل عميل سابق لوكالة المخابرات المركزية مسؤولية أفعغاله، باسم عملية “السبب العادل”، نجاحًا باهرًا لدرجة أن كبار خبراء السياسة الخارجية في إدارة دزنالد ترامب، مثل إليوت أبرامز وبريت ماكغورك، يقولون إن تغيير النظام في فنزويلا يُشبه ما حدث في بنما، خلافا لما حدث في العراق أو ليبيا.
في صيف ما بعد غزو بنما، تواصل ماركو روبيو مع إيليانا، زوجة ليتينين وابنة منفي كوبي آخر مناهض للشيوعية كان يعمل لصالح وكالة المخابرات المركزية، والتي انتُخبت للتو كأول أمريكية من أصل كوبي لعضوية الكونغرس، وعاد روبيو إلى ميامي ولم يغادرها قط، وقد تبددت أي شكوك حول صلاته بعصابة مخدرات خطيرة بفضل فطنته ( انتهازيته) السياسية الواضحة، وكان قد ترشح في أواخر التسعينيات لعضوية مجلس المدينة، وكان من بين داعميه الحاكم جيب بوش، وفي واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ ميامي الحديث، عُثر على 12 طنًا من الكوكايين مخبأة في خزان وقود سفينة متوسطة الحجم صادرها خفر السواحل في المحيط الهادئ سنة 2001، بالإضافة إلى أدلة ورقية بسيطة قادت المحققين إلى مخطط هرمي مقره ميامي لغسل أرباح عصابات المخدرات، وفي محاولة يائسة للتستر على مشاكله القانونية، حوّل زعيم العصابة ملايين الدولارات إلى مؤسسات ولجان العمل السياسي التابعة لآلان مندلسون، الذي نظم أول فعالية لجمع التبرعات لحملة روبيو، وأدت الفضيحة إلى سقوط ديفيد ريفيرا، صديق روبيو المقرب ورفيقه في المخططات السياسية، والذي انتُخب لعضوية الكونغرس في انتخابات سنة 2010 التي أوصلت ماركو روبيو إلى مجلس الشيوخ. وكما قال أحد المستشارين السياسيين لكاتب سيرة روبيو: “كان حينها قد أصبح نجمًا لامعًا”، وفق موقع ( prospect ) بتاريخ الثالث والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2025.
2026-06-19