ميسان.. صحفى من طراز فريد!
مهدى مصطفى
قبل ربع قرن تعرفت إلى تييرى ميسان، الكاتب والصحفى الاستقصائى الفرنسى، مؤسس شبكة فولتير، أول منصة إعلامية مستقلة تتعمق فى التحليلات الجيوسياسية، ثم صار صديقا عزيزا، وكثيرا ما تحاورنا حول مختلف القضايا، والحق أنه كان يصيب بدقة فى معظم الظواهر العالمية.
حين وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001، تبنى معظم الكتاب والصحفيين حول العالم الرواية الأمريكية الرسمية، لم تجرؤ أية وسيلة إعلامية على تمحيصها، فهاجمت أمريكا أفغانستان فى أكتوبر 2001، ثم غزت العراق فى مارس 2003 تحت شعار «الحرب على الإرهاب».
لكن ميسان بدأ ببحث استقصائى عميق، وكتب رواية مختلفة بعنوان «الخديعة الكبرى»، مزق فيها الرواية الرسمية بقسوة، فهاجمه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بضراوة، ومنعه من دخول الولايات المتحدة، ووصفه تلاميذ نائب الرئيس ديك تشينى بأنه يتبنى نظرية المؤامرة، ورغم ذلك حقق الكتاب انتشارا عالميا واسعا.
شكك ميسان بالرواية الرسمية لـ11 سبتمبر، واتهم دوائر أمريكية بالضلوع فى الهجمات، ثم ظهر كتابه المثير للجدل عن اغتيال رفيق الحريرى، وفيه يتهم إسرائيل مباشرة بالضلوع فى الجريمة لصناعة حرب أهلية فى لبنان، ونشر مقالات عن الثورات الملونة فى جورجيا وأوكرانيا، وكتب عن الربيع العربى الغامض، ليكشف لعبة الإمبراطورية الأمريكية الجديدة، من خلال صناعة حروب تنتمى للجيلين: الخامس والسادس.
مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية فى 24 فبراير 2022، كتب ميسان سلسلة مقالات معمقة فى شبكة فولتير عن أسرار الحرب وألغازها، فضح فيها النازية الجديدة، وكتيبة آزوف الأوكرانية، وكشف ملف المختبرات البيولوجية الأمريكية فى أوكرانيا، تناوشته الصحافة الغربية، واتهمته بتبنى نظرية المؤامرة مرة أخرى، وأنكرت منظمة الصحة العالمية القصة، وغطتها إذاعة البى بى سى بتشكيك فى روايته كالعادة، وهكذا فعلت إدارة جو بايدن.
يكشف ميسان أن الولايات المتحدة أنشأت شبكة ضخمة من المختبرات فى أوكرانيا، تندرج ضمن برنامج سرى لتطوير أسلحة بيولوجية، وأن تمويل هذه المنشآت وإدارتها يتبع وكالة الحد من التهديدات الدفاعية الأمريكية التى تسمى «دترا» وشركات خاصة مرتبطة بها.
وقد استغلت واشنطن غياب الرقابة الدولية لتطوير فيروسات خطيرة، وينتقد ميسان «التعتيم الإعلامى» الغربى وتجاهل المؤسسات الدولية.
كتابات ميسان الخطيرة قوبلت بجدار من النفى الرسمى والإعلامى، وأجمعت وكالات التحقيق على عدم وجود دليل مادى يدعم نظرية المؤامرة التى يتبناها، وأعلنت الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية أن التعاون البيولوجى بين واشنطن وكييف يندرج ضمن المعايير المدنية السلمية، فى تواطؤ دولى واضح.
لكن، لا شيء يختبئ للأبد، فوقعت المنظمات الدولة فى شر مخططاتها، ففى مارس 2022، أوصت منظمة الصحة العالمية أوكرانيا بـ«شدة» بتدمير «الجراثيم الخطيرة جداً» فى مختبراتها، لتجنب التلوث بسبب الحرب، فى اعتراف ضمنى بما كتبه ميسان، وبما نفته البى بى سى والإدارة الأمريكية ومنظمة الصحة العالمية.
وجاءت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسى جابارد فى يونيو 2026 لتحدث زلزالا بقوة مئة ريختر، عندما كشفت عن وثائق رفعت عنها السرية، واعترفت رسميا بما نفته واشنطن لسنوات، بأن الحكومة الأمريكية قامت بتمويل أكثر من 120 مختبرا بيولوجيا فى أكثر من 30 دولة، منها أوكرانيا بأكثر من 40 مختبرا، وقد أجرت أبحاثا باستخدام مسببات أمراض خطيرة وشديدة العدوى.
جابارد اتهمت مسئولين فى إدارتى باراك أوباما وجو بايدن السابقتين، ومن بينهم الدكتور أنتونى فاوتشى، بـ«الكذب» على الشعب الأمريكى، فى تأكيد على أن الأبحاث تنطوى على «وقوع كوارث خطيرة على مستوى العالم».
وكشفت الوثائق عن تفاصيل دامغة، بأن شركة «بلاك آند فيتش» عملت كمقاول رئيسى، وشركة «ميتابيوتا» عملت كشريك، وهناك قوائم بأمراض فتاكة، تم تجريبها فى تلك المختبرات، منها الجمرة الخبيثة، والسل، وحمى الخنازير، والسارس، والإيبولا، والطاعون!
لكن أخطر ما فى الوثائق كان انكشاف رسائل بريد إلكترونى للمجرم الجنسى جيفرى إبستين، عن تعاون مع هاكر بيولوجى فى مختبر بأوكرانيا، بهدف هندسة «نسخ بشرية فائقة الذكاء».
وهكذا يعود الحق إلى تييرى ميسان، ليكتشف الرأى العام العالمى أنه لم يكن يختلق الأحداث، أو يؤمن بنظرية المؤامرة.
تحية للصحفى والباحث الاستقصائى تييرى ميسان، أينما يكن، فهو كاتب من طراز فريد
2026-06-19