حين يستخدم الاخوان وداعش ( العلم) لقتل البشر : الارهاب السيبراني في زماننا (1/2)!
بقلم د. رفعت سيدأحمد
في أجواء التحولات والصراعات الاقليمية والعالمية الكبري التي تمر بها بلادنا العربية ،يأتي (تحد الارهاب ) السياسي والفكري والتكنولوجي ..كأحد أبرز التحديات التي تواجه أمتنا العربية وبخاصة دولها المركزية وذات الثقل والدور التاريخي (تحديدا بلاد الشام والعراق ومصر وليبيا ) ورغم أنه تحد قديم ؛لكنه إكتسب مع بدء ما سمي بالربيع العربي وظهور التنظيمات الاكثر تطرفا في تاريخ الامة ..( الجيل الجديد من حركة الاخوان – وداعش وأخواتها) خصائص جديدة وأدوات تكنولوجية وإعلاميةو(سيبرانية ) جديدة ،صعبت من أساليب المواجهة وفرضت علي القائمين بها ،إبداع وسائل وإستراتيجيات جديدة تأخذ من العلم والوعي سلاحا وسندا ..من أجل الحفاظ الجاد علي الامن القومي العربي التي باتت تلك التنظيمات بأجيالها ووسائلها الارهابية السيبرانية والدينية الجديدة تمثل أكبر الاعداء وأشدهم شراسة علي هذا الامن القومي . في هذا السياق يأتي بحثنا هذا والذي يتناول قضية الارهاب إجمالا والارهاب السيبراني بخاصة مع التطبيق علي المنطقة العربية والقارة الافريقية وتقديم نماذج للواقع الملموس وطرح إستراتيجية عربية للمواجهة الجادة لهذا الارهاب الذي يهدد بنية الدولة الحديثة ويستهدف قواها الحية و مقراتها الاستراتيجية . وسنقسم البحث الي جزئين رئيسيين نقدم في الجزء الاول التعريفات الاساسية لمفهوم الارهاب السيبراني وفي الجزء الثاني نقدم تفاصيل المخطط الداعشي ووسائله الاعلامية في فرض ونشر الارهاب وتمويله
مدخل الي تعريف الارهاب السيبراني
الارهاب السيبراني في أدق وأبسط معانيه ووفقا للموسوعات العالمية هو الا رهاب الرقمي عبر الإنترنت(: Cyberterrorism) ويهتم بالاساس بإستخدام التقنيات الرقمية لإخافة الخصم والعدو بالنسبة له مخترقا منظومته الرقمية والمعلوماتية أو مهددا الخصم من خلالها وهو إرهاب يستند في تنفيذ آلياته الي مبررات وحجج دينية وعرقية وسياسية وتعد تنظيمات التطرف الديني والعنصرية في الشرق الاسلامي والغرب ؛هي الاكثر إستخداما-خاصة في العقد الاخير( 2011-2023) لهذا النمط من الارهاب والذي يحقق لها مكاسب عدة خاصة في مواجهة جيوش واجهزة الامن في الدولة الحديثة
هذا وتنبئنا الاحداث التي مرت بعالمنا المعاصر:
1- أنه في فجر الثورة الرقمية، في منتصف التسعينات من القرن الماضي ، انتبه الغرب إلى قضية الإرهاب الإلكتروني ومخاطره، حيث قام الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في العام 1996 بتشكيل لجنة قومية لحماية المشروعات ذات الطبيعة العلمية حمايتها من الارهاب الرقمي الذي كان يستهدف وقتها مصادر الطاقة الكهربائية والاتصالات إضافة إلى شبكات الكمبيوتر وإعتبرها الرئيس كلينتون وقتها ضرورية بشكل قاطع لنجاة الولايات المتحدة، لان هذه المنشآت كانت وقتذاك – ولاتزال- تعتمد بشكل كبير على المعلومات الرقمية، لذلك توقعوا أنها ستكون الهدف الأول لأية هجمات إرهابية تستهدف أمن الولايات المتحدة. وفي أعقاب ذلك، قامت كافة الوكالات الحكومية في الولايات المتحدة، بإنشاء هيئاتها ومراكزها الخاصة، للتعامل مع احتمالات الإرهاب الإلكتروني. فقامت وكالة الاستخبارات المركزية بإنشاء مركز حروب المعلوماتية، ووظفت ألفا من خبراء أمن المعلومات، وقوة ضاربة على مدى 24 ساعة لمواجهة الإرهاب الإلكتروني. وقامت القوات الجوية الأمريكية باتخاذ خطوات مماثلة، ومثلها المباحث الفدرالية. وقامت قوات الأمن في أوروبا، وخصوصا الدول التابعة لحلف الأطلسي، باتخاذ إجراءات مماثلة.
- بهذا المعني الحرب الرقمية وفقا للتجربة الغربية(والامريكية بخاصة )هي «الإجراءات التي يتم اتخاذها للتأثير بشكل سلبي على المعلومات ونظم المعلومات، وفي الوقت نفسه الدفاع عن هذه المعلومات والنظم التي تحتويها.» و العمليات الإلكترونية تتضمن-وفقا للتعريف الغربي – أنشطة مثل أمن العمليات، والعمليات النفسية، والخداع العسكري، الهجمات الفيزيائية، والهجمات على شبكات الكمبيوتر. وهناك الكثير من الطرق التي يمكن من خلالها تنفيذ الهجمات الرقمية، منها الهجمات المباشرة من خلال التدمير الفيزيائي لأجهزة الخصم، أو نقاط الاتصالات الهامة ضمن شبكاته، وذلك باستخدام القوة العسكرية المباشرة. وهنالك أيضا سرقة المعلومات من أجهزة الخصم، مما يمكن الجهات الصديقة من اتخاذ قرارات أفضل في المعركة، إضافة إلى تخريب قواعد بيانات الخصم والتلاعب بها، لجعل الخصم يخطئ في اتخاذ القرارات. وبالطبع هناك استخدام الفيروسات وأساليب رقمية مثل هجمات الحرمان من الخدمات لتدمير مواقع الخصم، مما يؤدي إلى التقليل من مقدرته على الاتصال، وإبطاء قدرته على اتخاذ القرار.
ووفقا للدراسات المتخصصة فإن (الحرب السيبرانية ) تتشابه في جزء منها مع الحروب المعروفة تاريخيا .. فإن الجيوش المتصارعة كانت عادة تستهدف دوما ثلاثة عناصر أساسية من أجل كسب المعركة؛ وهي العناصر العسكرية، والاقتصادية، والسياسية أو بكلمات أخرى إرادة الشعب. وفي عالم حروب المعلومات تجد العناصر الثلاث نفسها وعلى رأسها مراكز القيادة والتحكم العسكرية، والبنوك والمؤسسات المالية، ومؤسسات المنافع كمؤسسات المياه والكهرباء وذلك لإخضاع إرادة الشعوب.
2- أما عن أهداف حروب الارهاب السيبراني :
فكما أن حروب المعلومات السيبرانية تستهدف أيضا الأهداف العسكرية غير المدنية، والمرتبطة بشبكات المعلومات. وهذا النوع من الهجمات نادر الحدوث في المنطقة العربية عادة لعدة أسباب أولها هو أنه يتطلب معرفة عميقة بطبيعة الهدف، وطبيعة المعلومات التي يجب النفاذ إليها، وهي معرفة لا تمتلكها إلا الحكومات، إضافة إلى أن الحكومات تقوم عادة بعزل المعلومات العسكرية الحساسة عن العالم، ولا تقوم بوصل الأجهزة التي تحملها بالعالم الخارجي بأي شكل من الأشكال. ولكن يبقى الحذر واجبا من عمليات التخريب الداخلية، ومن هنا تأتي ضرورة وضع نظم موثوقة للتحقق من شخصيات المستخدمين، والتحديد الدقيق لطبيعة المعلومات التي يُسمح بالنفاذ إليها. ومن السيناريوهات التي تمثل هذا النوع من الهجمات، هو النفاذ إلى النظم العسكرية واستخدامها لتوجيه جنود العدو إلى نقطة غير آمنة قبل قصفها بالصواريخ مثلا. - ومن الاشكال الاطوار الجديدة للحرب السيبرانية تأتي (الهجمات علي مؤسسات المال والاقتصاد ) حيث كما هو معلوم اليوم (2023) أصبح الاعتماد على شبكات الكمبيوتر شبه مطلق في عالم المال والأقتصاد .. مما يجعل هذه الشبكات،- نظرا لطبيعتها المترابطة، وانفتاحها على العالم- هدفا مغريا للعابثين والقراصنة. ومما يزيد من إغراء الأهداف الاقتصادية والمالية هو أنها تتأثر بشكل كبير بالانطباعات السائدة والتوقعات، والتشكيك في صحة هذه المعلومات، أو تخريبها بشكل بسيط يمكن أن يؤدي إلى نتائج مدمرة، وإضعاف الثقة في النظام الاقتصادي. ولذلك فإن الهجمات ضد نظم المعلومات الاقتصادية يمكن لها أن تكون مؤذية جدا. ومن الأمثلة على الهجمات الاقتصادية (ما ذكرته شبكة المعلومات الدولية ويكيبديا ) عن العملية التي قامت بها مجموعة من القراصنة، تُعرف باسم نادي الفوضى، في عام 1997، حيث قام هؤلاء بإنشاء بريمج تحكم بلغة آكتف إكس مصمم للعمل عبر إنترنت ويمكنه خداع برنامج كويكن Quicken المحاسبي بحيث يقوم بتحويل الأموال من الحساب المصرفي للمستخدمين.) وباستخدام هذا البريمج أصبح بإمكان هؤلاء القراصنة سرقة الأموال من أرصدة مستخدمي برنامج كويكن في جميع أنحاء العالم. وهذه الحالة هي مثال واحد فقط على الطرق التي يمكن بها مهاجمة شبكات المعلومات الاقتصادية واستغلالها، وهي طرق يمكن أن يكون لها آثار مدمرة على المجتمعات.
ومن الاهداف المعروفة للارهاب السيبراني ..إستهداف شبكات الكهرباء حيث أصبح الاعتماد تلك الشبكات على نظم المعلومات، وخصوصا في الدول المتقدمة، من الوسائل المهمة لإدارة نظم الطاقة الكهربية. ويمكن لهجمات على مثل هذا النوع من شبكات المعلومات أن تؤدي إلى نتائج خطرة وحقيقية، وخصوصا في ظل اعتماد الإنسان المعاصر على الطاقة الكهربائية. ومن الإحصائيات المهمة التي يمكن لها أن تدلنا على فعالية مثل هذا النوع من الهجمات هي تلك المتعلقة بالهجمات على العراق خلال حرب الخليج الثانية. حيث تشير مصادربحثية في كلية الحرب الأمريكية أن عدد ضحايا هذا النوع من الارهاب وصل الي قرابة ال90 ألف مواطن عراقي كنتيجة مباشرة لعدم توفر الطاقة الكهربائية. ولذلك، فإن شبكات المعلومات المرتبطة بالطاقة الكهربائية تعتبر من الأهداف الأولى التي قد يستهدفها الإرهاب السيبراني.
*كذلك من الاهداف المهمة للارهاب السيبراني ؛شبكات المعلومات الطبية، والتي يمكن لمهاجمتها، واختراقها، ومن ثم التلاعب بها وهذا سيؤدي قطعا إلى خسائر في أرواح المرضى من المدنيين. - وأخيرا من الاهداف المهمة للارهاب السيبراني يأتي الارهاب الديني والسياسي حيث تهتم التنظيمات المسلحة(في الشرق العربي والغرب ) بنشر أفكارها لكي تكسب متعاطفين وأتباع جدد للانضمام لصفوف المقاتلين في تلك الجماعات، ومن ثم تولى تلك الجماعات اهتماما متزايدا لحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من الوسائط والمنصات الإعلامية الشبكية، وهي غالبا ما تستهدف فئتين من المتلقين(خاصة في الشرق الاسلامي )، هما المتعاطفون مع الفكر الجهادي وغالبيتهم من الشباب لاستمرار الحصول على دعمهم، والرأي العام المحايد من أجل تأكيد نفوذ التنظيمات الجهادية في المجتمع بغرض الحشد والتأييد
كما أن الترويج للخطاب المتطرف الذي يشجع على أعمال العنف توجه شائع لدى مجموعة متزايدة من منصات الإنترنت التي تستخدما داعش والقاعدة والاخوان وغيرها من التنظيمات المتطرفة في عالمنا العربي- كما سنفصل لاحقا – حيث يقومون بنشر محتويات يعدها المستخدمون أنفسهم وقد أصبحت الإنترنت وسيلة لعرض الكثير من المحتويات التي كانت توزع في السابق على جمهور محدود نسبيا، من شخص إلى شخص أو عن طريق وسائط مادية مثل الأقراص المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية. وقد توزع هذه المحتويات باستخدام مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأدوات، كالمواقع المخصصة لمواضيع معينة، أو بعض غرف الدردشة والمنتديات المحددة الأهداف، والمجلات الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك، والمواقع ذات الشعبية لعرض صور الفيديو وتبادل الملفات، مثل يوتيوب. كذلك فإن استخدام خدمات الفهرسة، مثل محركات البحث على الإنترنت، يجعل من کشف المحتويات المتصلة بالإرهاب أمرا سهلا .
الانترنت كوسيلة لتمويل الارهابيين - ومن الاهداف أيضا للارهاب السيبراني بالنسبة للتنظيمات المتطرفة إستخدام الإنترنت لتدريب و تجنيد وتمويل الأعمال الإرهابية. ويمكن أن تصنف الطرائق التي يستخدمها الإرهابيون لطلب الأموال والموارد وجمعها عبر الإنترنت إلى أربع فئات عامة- وفقا للدراسات والموسوعات المتخصصة – هي: الطلب المباشر، والتجارة الإلكترونية، واستغلال أدوات الدفع عبر الانترنت، واستغلال المنظمات الخيرية. ويشير الطلب المباشر إلى استخدام المواقع الشبكية، ومجموعات الدردشة، ورسائل البريد الإلكتروني الجماعية والاتصالات الموجهة للأنصار لطلب تبرعات منهم كما يمكن أن تستخدم المواقع الشبكية باعتبارها متاجر إلكترونية تبيع الكتب وتسجيلات صوتية ومرئية وغيرها من المواد للأنصار وتسهل خدمات الدفع عبر الإنترنت، المتاحة عبر المواقع الشبكية المخصصة أو عبر منصات الاتصالات،و تحويل الأموال إلكترونيا بين الأطراف المعنية. وكثيرا ما تحول الأموال عن طريق التحويلات البرقية الإلكترونية، أو بطاقات الائتمان، أو خدمات الدفع البديلة كما تقوم التنظيمات المتطرفة بإستخدام الانترنت تستخدم الإنترنت كساحة تدريب بديلة للإرهابيين وهناك مجموعة متزايدة من الوسائط التي توفر منصات لنشر أدلة عملية في صورة كتيبات إلكترونية، ومقاطع صوت وفيديو، ومعلومات، ونصائح. وتتيح هذه المنصات أيضا تعليمات مفصلة، غالبا ما تتخذ شكل وسائط متعددة بلغات متعددة يسهل الاطلاع عليها، حول موضوعات مثل كيفية الانضمام إلى تنظيمات إرهابية، وكيفية صنع المتفجرات، أو الأسلحة النارية، أو غيرها من الأسلحة أو المواد الخطرة، وكيفية التخطيط للهجمات الإرهابية وتنفيذها
- هذا ويتم تجنيد الشباب والقصر من قبل التنظيمات الارهابية عبر ثلاث مراحل تتعلق الأولى بمرحلة التأثير الوجداني، من خلال إثارة العاطفة والنعرة والغيرة الدينية بحجة الدفاع عن القيم المقدسة الدينية أو البحث عن عالم مثالي لا يمت للواقع بصلة كفكرة الخلافة أو المدينة الفاضلة، ويتم توظيف النصوص الدينية عبر الوسائط الإعلامية كافة اما المرحلة الثانية، ترتبط بالتأثير المعرفي عن طريق دور الشبكات الاجتماعية في نقل المعلومات والبيانات التي تعبر فقط عن وجهة نظر الجماعات الجهادية وفي تلك المرحلة تتحول الصفحات والحسابات على شبكات التواصل إلى بوق للتطرف ونقل وجهات النظر الأحادية تجاه الآخر.
والمرحلة الثالثة هي أخطر المراحل؛ لأنها تعمل على تحويل الفكر إلى سلوك عن طريق التغيير السلوكي لدى المنتمي، وأن يتحول من مجرد متعاطف إلى فاعل، والمشاركة الفعلية في التغيير بالقوة والعنف، وهو ما يظهر في التغيير السلوكي، وهي مرحلة تتم عبر المشاركة في أرض القتال الفعلي، أو القيام بعمليات انتحارية كما جري في عشرات العمليات في مصر وسوريا والعراق وليبيا والشمال الافريقي !(وللحديث بقية ) **
2023-07-06