من نابليون وصولاً إلى بلفور!

رناعلوان
106 عاماً على وعد “بلفور” الذي لم يكن أبدًا وليد تلك اللحظة بل جاء تتويجًا للمساعي بين الساسة الأوروبيين ويهود أوروبا منذ محاولات نابليون عام 1799 وحتى صدور الوعد المشؤوم عام 1971
والحقيقة تقول ، بأنه ما إن وطئت أقدام نابليون أرض مصر واحتلاله الاسكندرية في 2 تموز 1798م ، أصدر بيانًا حث فيه يهود آسيا ، وافريقيا للإنضواء تحت رايته ، من أجل إعادة “مملكة القدس القديمة”
[ أيها الإسرائيليون انهضوا ]
عبارة تفوه بها نابليون بعد أن تحطمت آماله على أسوار عكا عام 1799
مخاطبًا بها يهود آسيا وأوروبا …. [ انهضوا ، فهذه هي اللحظة المناسبة ، إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملةً إرث إسرائيل ، سارعوا للمطالبة باستعادة مكانتكم بين شعوب العالم ]
ومما جاء أيضًا في وعده
[من نابليون …. القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسـية في أفريقيا وآسيا ، إلى ورثة فلسطين الشرعيين …. أيها الإسرائيليون …. أيها الشعب الفريد ، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي …. وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط ….. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به ، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر ، جعل القدس مقرًا لقيادتي …… وخلال بضعة أيام ، سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تَعُد تُرهب مدينة داود
يا ورثة فلسطين الشرعيين ….. إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب (يوئيل 4/6) ….. تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم ، بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء …… انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شرفًا لإسبرطة وروما (مكابيون 12/15) ….. وأن معاملة العبـودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها ]
علينا أن نعي جيدًا ما سبق وعد بلفور ، وكيف أنه لم يأتِ كهدية عابرة من وزير أوروبي لفئة معينة ، بل أتى نتيجة عمل ماكر امتد على نحو 120 عامًا ، استخدم فيها يهود أوروبا مختلف أساليب المكر السياسي والاقتصادي لتحقيق حلمهم على حساب الفلسطينيين أصحاب الحق والأرض ، وكإنتقام من نابليون نتيجة ما لاقاه على أرضها ، وماهية الظروف السياسية التي تمخض عنها وعد بلفور ، الذي تحول بعد ذلك إلى إعلان حكومي يحدد إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين
فبعد هزيمة نابليون بحوالي أربعين عامًا ، حاول [ وزير خارجية بريطانيا بالمرستن ] الاستفادة من يهود أوروبا بإن يقيم وطنًا لهم في فلسطين مستغلاً هذا الأمر ( كرميه عصفورين بحجر واحد ) ، وأيضًا الرد على محاولة محمد علي لتوحيد مصر وسورية عام 1840 ، لذلك طلب من السفير البريطاني في إسطنبول محاولة إقناع الخليفة العثماني وحاشيتة بأن الحكومة الانكليزية ترى أن الوقت أصبح مناسبًا لفتح فلسطين أمام هجرة اليهود
قوبل الرفض العثماني بإستجابة يهودية وكان من أوائل المتفاعلين البارون الثري ادموند روتشيلد الذي مول فيما بعد إنشاء (30) مستعمرة يهودية من أهمها مستعمرة “ريشون لتسيون” التي رفع فيها العلم “الإسرائيلي” الحالي
عام 1885 ظهر لأول مرة مصطلح الحركة الصهيونية على يد الكاتب النمساوي [ ناتان بيرنباوم ] ، وهدفها الاستيطان في فلسطين
[ ومصطلح الصهيونية مشتق من كلمة صهيون إحدى تلال القدس ]
بعد ذلك نشر الصحفي الصهيوني [ ثيودور هيرتزل ] كتابه [الدولة اليهودية ] باللغة الألمانية ، ولكن “هرتزل” كان لديه مخاوف كبيرة من أن يهود أوروبا لا زالت رغبتهم الهجرة نحو أمريكا ، زليس نحو الدولة المرجو خلقها ، مما جعل الطبيب “ماكس نوردو” الساعد الأيمن لهيرتزل يرسل اثنين من كبار رجال الدين اليهود إلى فلسطين 1896 ، ومعهما جوابًا من سطر واحد جاء فيه
[ العروس جميلة جداً ومستوفية لجميع الشروط ، ولكنها متزوجة فعلاً ]
فهم [ نوردو ] المقصود وهو أن
[فلسطين ليس كما ذكر هيرتزل ( أرضًا بلا شعب ) ، وأن فيها شعبًا منذُ آلاف السنين متجذرين فيها ويصعب إقتلاعهم
وفي عام 1897 ، شارك [ نوردو وبيرنباوم] في المؤتمر الصهيوني الأول تحت إمرة هيرتزل في بازل السويسرية ، والذي تبنى برنامج تأسيس ( وطن معترف به للشعب اليهودي في فلسطين)
وفي عام 1907 ، توجه عالم الكيمياء البريطاني إلى فلسطين لأول مرة [ حاييم وايزمن ] كما عضو الحركة الصهيونية العالمية ، بغية تأسيس ( شركة تطوير أراضي فلسطين ) في يافا بدعم من عائلة “روتشيلد” وشراء الأراضي بتمويل من الصندوق القومي اليهودي
وفي عام 1915 ، تم تقديم مذكرة سرية لمجلس الوزراء البريطاني بعنوان ( مستقبل فلسطين ) ، كتبها أول صهيونيّ يهودي يصل لمنصب وزير بريطاني هيربرت صموئيل
جاء في الوثيقة
[ الوقت الحاضر ليس مناسبًا لإنشاء دوله يهودية مستقلة لذا يجب ان توضع فلسطين بعد الحرب تحت السيطرة البريطانية لتعطي تسهيلات للمنظمات اليهودية لشراء الأراضي وإقامة المستعمرات وتنظيم الهجرة وعلينا أن نزرع بين المحمديين ثلاثة إلى أربعة ملايين يهودي أوروبي ]
ولقد تم الأخذ بتوصية صموئيل في الاتفاقية السرية التي جمعت بريطانيا وفرنسا لتقسيم سوريا الكبرى …. عُرفت هذه الاتفاقية بإسم مهندسيها [ البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو ] الغنية عن التعريف ….. ووضعت اتفاقية سايكس بيكو فلسطين تحت سيادة مشتركة للحلفاء لإعدادها للدولة اليهودية …. ( رسالة مُختصرة ، بريئة المظهر لا تزيد على 117 كلمة بالإنكليزية ، شكّلت وثيقة ، غيرت مجرى التاريخ تغييرًا عشوائيًا )
في عام 1917 ، وافق مجلس الوزراء البريطاني ، برئاسة ديفد لويد جورج ، على إصدار وعد بريطاني لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كتب الوعد على صيغة رسالة وزير الخارجية آرثر بلفور إلى اللورد الصهيوني ليونيل ولتر روتشيلد ، حيث كان “بلفور” يكتب رسالته بإسم الحكومة البريطانية
وبعد صدور الوعد البلفوري الألماني ، استمر الصهاينة في الضغط على الدولة العثمانية … وكلَّف الصدر الأعظم ، بعد عودته من برلين ، النائب اليهودي التركي ( قاراصو ) بتأليف لجنة يهودية عثمانية ، لوضع التفاصيل العملية لإنشاء شركة ذات امتياز في اسطنبول ، تتولَّى العمل في المناطق المأهولة باليهود لإقامة حكم ذاتي فيها ….. وأمر طلعت باشا بدراسة الخطة التي وضعتها اللجنة ، ووعد بتبنيها عند بَحْث شروط الصلح بعـد انتهاء الحـرب
وسعى الصهاينة ، انطـلاقًا من هذا الوعد ، إلى الحصول على مزيد من التنازلات من الجانب العثماني …. وإصدار تصريح عثماني مماثل لتصريح بلفـور …. وقد تمكنـوا من الحصـول على هذا التصريح تحديدًا في 14 يوليو/تمـوز 1918 ، وتشكلت لجنة عثمانية لوضع ما جاء فيه موضع التنفيذ
ختامًا ، ما حدث بعد وعد بلفور من مبادرات سلام عربية هي بمثابة وعد بلفور عربي جديد
للأسف يبدو أن الافتقاد إلى معنى قوة الحق والرضوخ لمنطق حق القوة قد فتح الطريق أمام إمكانية تناسل وعد بلفور وعدًا جديدًا يضاف إلى وعد بوش الابن لأرييل شارون على أن يكون وعدًا عربيا هذه المرة
2023-04-24