[ نيقولا ميكافيلي ] قراءة في كتاب الأمير! رنا علوان
يعتبر ميكافيلي من أشهر الفلاسفة و المفكرين الإيطاليين في عصر النهضة ، وكان الشخصية الرئيسية والمؤسسة للتنظير السياسي الواقعى ، وتعتبر كتبه مرجعاً هاماً للمهتمين بالعلوم السياسية
نشر هذا الكتاب عام 1532 ، والذي إعتبر مرجعية لكل ديكتاتور ، وكان ميكافيلي قد كتب هذا الكتاب حتى يرشد فيه أحد الملوك في تلك الفترة ويسمى لورنزو ابن بيرو دي ميديشي ، يناقش الكتاب الادارة وكيفية إسترداد إيطاليا من البرابرة والعديد من النصائح والآراء و الأفكار السياسية المحنكة ، ولكن معظم أفكار الكتاب كان يخالطها الكثير من الاخلاق السيئة والخبيثة
ميكافيلي إيطالي الجنسية ولد في فلورنسا في 3 مايو عام 1469 ، من الطبقة الوسطى ، كان والده يعمل محاميًا ، في عام 1498 حصل ميكافيلي على وظيفة بسيطة في حكومة فلورنسا وبعدها ترقى في الوظائف والبعثات الحكوية ذات الأهمية في الحكومة ، وبعد ذلك عُين المستشار الثاني للجمهورية وفي عام 1512م إستولت أسرة مديتشي على الحكم و سجن ونفي في العام التالي لأنه كان معارضاً لهم
عاش نيقولا حياة التقاعد في الريف بجوار مدينة فلورنسا و تفرغ للكتابة و التأليف ، الى أن توفي في فلورنسا في 21 يونيو عام 1527
أشهر مؤلفاته
1- كتاب الأمير
2- كتاب المطرحات
3- كتاب فن الحرب
4- كتاب في تاريخ فلورنسا
ويعتبر هذا الكتاب من الكتب السياسية الواقعية ، ومنذ أن كتبه وهو بمثابة مرجعًا لكل حاكم مستبد ، يريد السيطرة على شعبه حيث يحكم بموجبه العديد من قادة و رؤساء الدول حتى الأن
الكتاب مهم جدًا بالنسبة لدارسي وراغبي التعرف على العلوم السياسية ، لخص فيه موضوع السيطرة على الدولة وضمان استمرارها ، ويعتبر من أكثر الكتب جرأة في العالم
وأجمع النقاد على أن الأخلاقيات الشريرة التي يحتوي عليها الكتاب لا يناسب إلا الطغاة الأشرار من الحكام
ورغم أن عدد صفحات الكتاب قليلة إلا أنها تحتوي على الكثير من الأفكار المركزة والواضحة ، مما جعله مميزًا عن الكتب العربية التي ناقشت السياسية ولكن عن طريق نصح الأمراء وتحليل المجتمع وتفكيك أفكاره ، مثل كتاب المقدمة لابن خلدون ، كليلة و دمنة ، الأدب الكبير ل ابن المقفع
فصول كتاب الأمير ، خمسة عشر فصل ،
[ أنواع الممالك ، الاستعمار طريق الأمان ، مقارنة بين (الأتراك)و(الفرنسيين) ، الخراب أو الجزية ، ميكافيلي والعراق ، لم يكن سيئاً جداً ، إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، الدولة الدينية ، التسلح وبناء الجيوش ،
لتدوم في الملك ، فكِّر بالحرب ، أمير شحيح مهاب خائن ، الأمير ثعلبًا وأسدًا ، الكراهية والاحتقار ، أعظم ما يسقط الدول ، رعاية المتميزين ، وإقامة المهرجانات ، إختيار الوزير وإختباره
[ملخص الكتاب ]
في بداية الكتاب كل الدول تسيطر على الشعوب وتمارس السلطة ، وقسم ميكافيلي الحكومات إلى أنواع
1- ممالك أساسها حكم وراثي
2- دول جمهورية
3-ممالك جديدة تعتمد على الحكم الوراثي
4- ممالك إنضمت مؤخراً كجزء جديد إلى ممتلكات الأمير (مثل مملكة نابولي وهي مملكة ظهرت في جنوب ايطاليا وهي الجزء الباقي من صقلية القديمة ، وسميت ابولي بسبب تمييزها عن باقي الدول و تعتبر نظام ظهر داخل النظام )
5- ممالك حصل عليها الأمير يقول ميكافيللي في كتابه أن المستعمرات أقل تكلفة من وجود القوات في المنطقة
لذلك على المستعمر ان يقوم بالتالي
أولًا ، حماية الدول المجاورة الأقل قوة حتى يكسبهم
ثانيًا ، يحاول إضعاف الدول القوية
ثالثًا ، غزو من هم اقوى منه حتى يخضعو له
أوضح ميكافيلي في كتابه أهمية الفراسة ومحاولة توقع الأمور قبل حدوثها كما مقاومتها في حين وجدت ، وغالبًا ما يكون الضعفاء أكثر ولاءًا لحكامهم ولكن إذا أتى مستعمر أقوى من الحاكم سيخضعون له ، كما وصف ميكافيلي الدين في كتابه على أنه أداة ملكية ، والذي يمكن من خلاله السيطرة على الشعب ، وتوحيه من خلال توحيد العقيدة فالدين هو دين الدولة الذي يجب أن تستغله لأغراضها السياسية
صفات الأمير في كتاب الأمير
– يجب أن يكون الأمير شديد و رحيم في نفس الوقت
– شهم و متحرر
-أن يحب رعاياه و يخاف عليهم
-يستخدم القوة و الخدعة في إحتلال الدول المتدامية
-تجديد المتطوعين و القضاء على القدامى
-إدخال بدع جديدة
-فرض الولاء على الجنود
– يجب أن يخاف الناس من الحكم على أن يحبوه و لكن لا يجب أن يكرهوه
بعض الإقتباسات من الكتاب الأمير
[إن الخطر المتمثل في القوات المرتزقة يكمن في جبنها وتخاذلها عن القتال لكن القوات المتعاونة خطرها يكمن في شجاعتها]
[ينبغي للأمير ان لا تكون له غاية أو فكرة سوى الحرب]
[الأمراء يفقدون ولاياتهم عندما يفكرون في مظاهر الترف أكثر من تفكيرهم في الأسلحة]
[من المستحيل ان يحترم الجنود أميرهم الذي يجهل الأمور الحربية]
[على الأمير الحكيم ان لا يخلد في زمن السلم الى الكسب ابداً]
[من يريد الخير لن ينعم ابدًا اذا كان حوله الكثير من الأشرار] لذلك يجب عليه أن يغير بيئته
[كلما زاد كرم المرء فإنه يفقد القدرة على المزيد منه وبالتالي فهو يتحول الى فقير حقير او جشع مكروه يتحاشى الفقر] فالكرم يجب أن يكون على قدر
[ينبغي على الإنسان ان يكون محبوبًا ومهابًا في نفس الوقت]
[البشر يترددون في الإساءة الى من يحبون أقل من ترددهم في إيذاء من يهابون]
[إستخدام المهابه والخوف من العقاب طريقة صحيحة لا تفشل ابداً]
وفي خطوة مهمة ، [على الامير أن لا يعدم أي شخص حتي يتأكد من المبررات الكافية لذلك ويوضح الاسباب]
إذن ، هي جملة طويلة من النصائح التي تظهر غريبة من الوهلة الأولى ، لكنها تبين في نفس الآن على مدى واقعية رجل سياسي ينتمي إلى عصور وسطى متقلبة ومليئة بالمتغيرات
والخلاصة من كل هذا هو توقه إلى قائد عظيم تتوحد تحت رايته كل إيطاليا ، ولا تهم الوسيلة عنده بل الغاية
يبدو أن مكيافيلي كان يبحث في كل هذه القسوة العارمة عن منقذ ومخلص لإيطاليا
لذلك نجده يختار نموذجًا للأمير الجيد ، فيختار [قيصر بورجيا] حتى أنه أفرد له فصلاً كاملًا يعدد فيه صفاته ومزاياه
وبالطبع هناك صفات جعلته يختاره ويجعله نموذجًا للأمير الذي تحتاجه إيطاليا ، فقيصر بورجيا ، إقترف جرائم كثيرة
كما إختار ليوناردو دافنشي المهندس ذو المواهب الفائقة ، أما الجنود فختارهم من الأهالي وهي أفكار كان يناضل من أجلها مكيافيلي
لهذا فدوق بروجيا نموذج للأمير الجيد ، إذ وجد فيه المواصفات التي يجب أن تكون في كل أمير ناجح خصوصًا في عصر اللاإستقرار ، القلاقل ، الانقلابات ، الغدر ، الخيانة ، القسوة ، يطلب من الأمير أن يتميز بالحيطة ، الحذر ، الحيوانية في القتال ، اللاإنسانية في التعامل ، البطش ، الخيانة ، النكث بالعهود والمواثيق…
إن الحرب عند مكيافيللي ، لا بد من التهيؤ لها بشكل جيد ساعة السلم وساعة الهدوء [القدر والتخطيط والاستعداد لها] وتلك هي الإرادة التي تكبح أخطار القدر
إذن إن الحرب عند مكيافيلي هي [فن العصر الشريف] للأمير ، والمسار المضمون من أجل التألق والإمارة والحكم من طرف المواطنين وأبناء الشعب وأبناء الأمراء على السواء
حتى أن ازدراء فن الحرب يكون السبب الرئيس في ضياع الدول وفقدها ، والتمرس فيه وإتقانه هو السبيل إلى الحصول على الدول والإمارات
فليس هناك ثقة لدى مكيافيلي من غير سلاح، لا بد من السلاح والإفتقار إليه يعرض إلى المهانة والاحتقار ، وحتى الأصدقاء ودفع عدوان الخارج لا يتوفر إلا بتوفر السلاح والقوة
إذا كنا نريد قراءة منطقية وعادلة لمكيافيلي ، فإنه لا يصح كما لاحظ غوتنبرغ ، النظر في أفكاره السياسية والاجتماعية من علياء القرن 20م ، بل من خلال أسوار قلاع القرن 16م الإقطاعية
ولا ينبغِ من جهة أخرى التغاضي عن تأكيداته الإستثنائية المهمة للغاية لأنها تحد من التعميم ومن فهمنا الخاطئ لمكيافيلي
فهو ينهي الفصل عن الحب والكراهية للأمير مثلا بقوله ناصحا [وعليه أن يتجنب الكراهية لشخصه كما سبق لي أن أوضحت]
وعمومًا كان لابد للرجل من هامش من الأخطاء وخصوصا وأنه كان سباقًا لتناول عدد من أشد المواضيع تعقيدًا (الكنيسة واللاهوت، الجيوش الدخيلة والمرتزقة، مسألة الحظ والقدر، السياسة والأخلاق، أخلاق الأمير)
كما نجده هو نفسه يُصرّح بأنه يخشى أن تبدو كتابته على الطريقة التي قدمها ، أن تبدو غرورًا لدى الآخرين خصوصًا وأنه يختلف في كثير من المواضيع عن رأي الآخرين
غير أننا نلاحظ أن كثرة التمثيل والاستقاء من تجارب التاريخ أثرت في مسار كتابته وفي آراءه ، فآراءه انعكاس لحوادث التاريخ ولتجربته الشخصية ، لذلك نجدها افتقدت الطابع الشمولي الممكن
ولا غرو أن فكر مكيافيلي يعتبر قطيعة مع فلسفة المثل والحق الإغريقية وخطوة عظمى باتجاه الواقعية ، كما وتبدو واقعيته في تفريقه بين الواقع والخيال في تصور الدولة فنجده قائلا
[إن الذي يتنكر لما يقع سعيا منه وراء ما يجب أن يقع. إنما يتعلم ما يؤدي إلى دماره بدلا من الحفاظ عليه].(ص 135-136)
ويكفيه شرفًا أنه وجد لإيطاليا “الشجاعة ليصف لها السم كعلاج” وهو كلام يلخص الغرض من كتابة “الأمير” ويلخص مبررات وضعه إنه كان يتوق لإيطاليا موحدة وقوية ومستقلة
ولمدة 3 قرون بقي فكره مغايرًا لما هو سائد ، بل تأخر تأثيره في نظرنا ، وهذا يدل على أصالته وسبقه لعصره والدليل في ذلك أن إيطاليا وألمانيا انتظرت حتى عهد “هتلر” و”موسوليني” لتفهم آراءه بل وتطبقها ، ويطبقها بعدها الكثير من الدول والحكام على السواء
لقد كان مكيافيلي نافعًا للدول المفككة ، مقابل ذلك نفهم السبب من كونه لم يلق ترحيبًا في إنجلترا وفرنسا وأمريكا ، وهذا له مغزاه الواضح لأنها لم تكن محتاجة إلى فكرة القومية كما كانت تحتاجها دول وقوميات مثل ، إيطاليا وألمانيا وتركيا
إن من يريد البحث اليوم في الجذور الفكرية والشعبية والتاريخية للدولة القومية الموحدة ولفكرة الجيوش الوطنية ، لابد له من العودة إلى تسليط الضوء وإعادة تقييم المجهود النظري والفلسفي لمكيافيلي ولكتاب الأمير
فكلاهما ألمانيا وإيطاليا احتاجتا إلى مكيافيلي لوحدتهما القومية ، ونجد ذلك جليًا في صفحة الكتاب 33 ، وقد أبانت التجربتين الإيطالية والألمانية صحة نبوءات مكيافيلي ودواءه الناجع لداء التشتت القومي والسياسي لهما ولما شابههما من الدول
يمكننا القول عمومًا أن “المكيافيلية” كانت طريقًا نحو “القومية”
ونجد النماذج لذلك في إيطاليا ، ألمانيا ، مصر ، إسبانيا وتركيا وغيرها
ثم إن الميكيافليون وأبرزهم الفاشيون الإيطاليون والنازيون الألمان والجمهوريون الإسبان ، انتزعوا أفكار مكيافيلي من سياقها الزمني وإطارها المكاني واستعملوها في سياقها المطلق ومن ثم نشأة الدولة الدكتاتورية التوليتارية
ولابد من التفريق في النهاية بين الميكيافلية الحقيقية الصافية والميكيافلية الناتجة عن الفهم والتحليل والتطبيق ، والتي استعملها البعض لتوافق أهدافهم ومبادئهم وأغراضهم
واستعملتها الدول التي كانت محتاجة لمثل هذا النوع من التأويل لمكيافيلي، وكذلك بعض رؤساء وملوك الدول الذين رأوا في ميكافيلي حلًا سحريًا وسهلاً ومباشرًا للسيطرة وضبط النظام وضرب الخارجين عن الحكم
ختامًا لا يخفى على أي قارئ ، أن كتاب “الأمير” كان صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية التي فصلت كنظرية في القرن 20م
كما أنه بلا شك أيضًا ، أن مكيافيلي من خلال كتاب الأمير يعتبر نقطة تحول حقيقية في تاريخ الفكر السياسي العالمي