ما الهدف من ( نبش )التاريخ في ظل موجة التطبيع السائدة!رنا علوان
[أبو لؤلوة] ردًا على [معاوية بن أبي سفيان]
رنا علوان
ما هي إلا أيام حتى تصدر هاشتاغ [أبو لؤلؤة] مُحقّقًا تفاعُلاً كبيرًا عبر مِنصّة تويتر في السعودية وعدد من الدول العربية ، في المُقابِل كانت قناة MBC السعودية ، قد سبقتها بالتروّيج عن البدء بتصوير مسلسل [معاوية بن أبي سفيان] في إطار البرمجة الرمضانية ، بعدما أعلنت قناة [الشعائر العراقية] (المدعومة إيرانيًا كما يُشاع) عن البوستر الترويجي لفيلم ستقوم بعرضه خلال شهر رمضان المبارك بعنوان [شجاعة أبو لؤلؤة] وهو الشخص الذي قتل الصحابي والأمير [عمر بن الخطاب]
قال الفيلسوف والاقتصادي الألماني كارل ماركس ، في كتابه (نحو نقد فلسفة الحق الهيجلية سنة 1844) نصًا [إن التعاسة الدينية هي ، في شطر منها ، تعبير عن التعاسة الواقعية ، وهي من جهة أخرى احتجاج على التعاسة الواقعية ، الدين هو تنهيدة المُضطهد ، هو قلب عالمٍ لا قلب له ، مثلما هو روح وضع “شروط” بلا روح ، إنه أفيون الشعب ، وهي بالتأكيد عبارة يرفضها أصحاب الديانات السماوية]
وجد ماركس أن للدين بعض الوظائف العملية في المجتمع تُشبه وظيفة الأفيون بالنسبة للمريض كونه يُسكّن مِنَ الآلام ويزودهم بأوهام طيّبة ، ويُساعدهم على مواجهة الحياة الصعبة ، التي أجبرتهم الرأسمالية أن يعيشوها
لقد آمن ماركس أن الدين هو مُؤسسة اجتماعية ، تنتعش في مجتمعٍ مُعين ، وأنها اداة يستخدمها الرأسماليون ليتحكموا بالطبقة العاملة [ البروليتاريا ] ويرى أن الدين يمُد الطبقة العاملة بالراحة في ظل الحياة الصعبة التي يعانون منها
ما دفع ماركس لتبنيه هذا المنحى من القول ، هو كيف كان يستخدم القساوسة الدين في سبيل أهدافهم ، وجعل الدين وسيلة ، لتخويف الشعوب ، واستخدامه في سرقة أموال الناس
إلى جانب ذلك ما كانت تفعله الكنيسة في العصور الوسطى من فرض آرائها بالقوة ، حتى لو كانت تتعارض مع الحقائق العلمية الثابتة ، وفي سبيل ذلك ، ارتكبت أفظع المجازر من اعتقال وحرق وإعدام ، ضد العلماء الذين تبنوا آراء غير ما كانت الكنيسة تعتقد
نظرية (الافيونية الدينية) لو صح التعبير ، والتي نطق بها ماركس جاءت نتيجة ما كانت تمارسه الكنيسة فلقد اتخذت من الدين وسيلة ، كما عملت على تميّعه مع مصالهحم ، ناهيك عن الفضائح الجنسية وحالات الاغتصاب وتفشي الفساد
كل ذلك كانت تمارسه الكنيسة بإسم الرب ، حينها نطق “كارل ماركس” تلك العبارة ، هذا الدين الذي اعتبره ماركس مخدراً للمظلومين ، لكن معناه يتحول بين أيديهم إذ يُصبح عندهم وسيلة للحيّلولة دون ثورة العبيد ، لإبقائه في حالة الرضوخ لواقعه
وهكذا فالدين الذي من المفروض أن هدفه نُصرة المظلوم ليخرج من شقائه يصبح بين يدي الظالم وسيلة لاستعباده ، وفي هذا الصدد أقول هل كارل ماركس كان على صواب ومُحق
والجواب نعم
لسبب جوهري ، هو لا سُلطة في الدين
وهذا ما نقله الغرب فيما بعد للدول الإسلامية ، فلكي تهزم شعبًا كاملاً عليك بالدخول من باب الدين واجعل بينهم تفرقة ، وهكذا يتقاتلون فيما بينهم ، وتستمتع انت بالمُشاهدة فقط ، دون أي عناء أو خسارة ، وهذا ما أدركه جيدًا عدونا ، والمنطق يقتضي أن نُبقي الدين ( تابو)
لقد عمدوا الى تجريد الدين من جوهره الرئيسي ، فأصبحت المحبة والتغاضي التي أمر الله بها ، تتحوّل رويدًا رويدا بسبب التزييف الذي هندسه الغرب ، وعَبثِه الجليّ في تاريخ أُمتنا الإسلامية ، الى ضغينة وتفرقة ( إنما الدين عند الله الإسلام ) فمن الذي جعله طوائف ومذاهب ؟!
أين نحن من ( لا يُؤمن احدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه )
أهل من الصحيح ان يحدُث في ( شهر الخير والبركة ) كب الملايين من الدولارات لإنشاء مسلسل يهدف الى احياء النعرات الطائفية ليقابله ايضًا مسلسل من الجانب الآخر ، عوضًا عن مساعدة الفقراء من المسلمين اليسوا بأحق ؟
ولن اقول ( يتصدقوا عليهم بها ) لأنه هنا يسقط مفهوم الصدقة لأحقية الفعل ، فهو بمثابة أمر واجب لمن أفاض الله عليه
أما الأمر الأهم في الحدث بعينه هو حفنة من الأسئلة التي تطرح نفسها بشكل بديهي
بدءً ، من لماذا هذا العام على وجه الخصوص يتم التطرق لهكذا مواضييع ، ولماذا هذا الشهر الفضيل تحديدًا ، وهل للسعودية غاية في نفس يعقوب ، وهل ما قابله من انتاج ايضًا له غاية مُماثلة ، هل سيُحدث هذا الانتاج اشعالاً لفتيل الفوضى ، وهل سيزيد الشرخ بين المسلمين ، والأهم هل يخدم التطبيع والسلام الوقح ، أم يخدم الدين الجديد الذين يسعون له والمسمى بدين ابراهم ( الديانة الإبراهيمية )
إنَّ الدلالة الأخلاقية لمفهوم الشخص هي [ الذات] التي يمكن أن تُنسب إليها مسؤولية أفعالها ، وليست الشخصية الأخلاقية شيئا آخر غير الحُرية ، التي تعني أن الكائن العاقل يجب أن يكون تحت سقف القوانين الأخلاقية
ولما كانت هذه الذات الأخلاقية هي التي تُشرّع لنفسها بنفسها قانونها الأخلاقي ، ولا تتلقّاه مفروضاً عليها من إرادة خارجة عنها ، فإن هذا الاستعداد (predisposition) يرفع الشخص فوق مقام كل الموجودات الطبيعية التي لا تتصرف بموجب قوانين مَنْ وضعها ، بل تخضع لقوانين خارجية حتمية
هذا ما يَهَب الشخص قيمة مُطلقة أو كرامة ، ولهذا نُطالع في أُسُس ميتافيزيقا الأخلاق ، الوجه الآخر للتعريف السابق
إذ يُضيف كانط بأن الشخص كائن عاقل تجعل منه طبيعته غاية في حد ذاته ، ومحل إحترام ، أي شيئا مقيِّداً للخيارات ، ما دام لا يمكن استعماله كما لو كان مجرد وسيلة
وهكذا ثبّت كانط الدلالة الأخلاقية في قلب مفهوم الشخوصية (Personhood)
إذا كانت الهوية والمسؤولية والكرامة قوام الشخص بما هو ذات ( أخلاقية في الفلسفة الحديثة) ، فإن هذه المكونات ، خاصة ، ليست غائبة عن القرآن على الرغم من القرون الفاصلة بين عصره وعصر الحداثة
لذلك [ يُلّح القرآن بدوره على المسؤولية الفردية بحيث لا تزر وازرة وزر أخرى ]
وهذا ما يجب أن يضعه المرء نُصب أعينه ، بمعنى إحترام قرار الاخر ( خصوصيته ) في أن يعتنق ما يُريد أو أن يطبّق هذا الدين كيف يريد ، ( لكم دينكم ولي ديني )
من هنا نتأكد بضرورة إحترام الغير
وبما أننا جميعًا بِتّنا نعرف يقين المعرفة ، أن الدين حاضرٌ بقوّة في وجدان الشعوب ، (بغضّ النظر عن صيغة حضوره)
لذلك نجد اهتمام السلطات السياسية بالترويج لمواقفها استناداً إلى (رجال دين)، ولا سيّما عندما يُراد إحداث انعطافة صادمة في الخيارات
وقد رأينا مثل هذه الانعطافات في الخطاب الديني ، (بين ليلة وضحاها )، عندما يُراد تسويق رؤى تخصّ السياسة
مؤخرًا إن صعود التطبيع مع العدو الصهيوني ، إلى العلن لدى بعض الدول العربية ، علا معه صوتُ خطاب بعض رجال دين لإعطائه صبغة (شرعية)
بهدف تحقيق الانسجام بين خيارات الأنظمة الانفتاحيّة سياسياً أو تجارياً أو سياحياً ، أو ما إلى ذلك ، ولا سيّما رجال دين محسوبين على دول ذات رمزيّة إسلاميّة روحية وتاريخية!!!!!
يقوم هذا الخطاب [الديني] بالترويج ، لاعتراف دول عربية بكيان العدو الصهيوني المُغتصّب ، على أساس أنّ التطبيع مصطلح حادث ، ولا وجود له في الآيات والروايات
ثمّ ليُبنى على ذلك أنّه يجب استخدام مصطلحات شرعية ، تداولتها الأدبيات الدينية
من قبيل [ الصلح ، والهدنة ، والمعاهدة ]
اللعب على المُصطلحات مهم لدى هؤلاء ، لأنّ للتطبيع مفهوماً حاضراً في الوجدان العام ، وهو مرتبط بمسار التنازل عن أرض الطُهر فلسطين لمصلحة العدو ، وعلى هذا الأساس ، فإنّ العدول إلى مُصطلحات جديدة يهدف لدى هذا الخطاب الديني إلى أمرين
أوّلاً : أنّ [ الصلح والهدنة والمعاهدة ] ذات معانٍ ظرفيّة ومؤقّتة ، بين الأشخاص أنفسهم ، ولا مانع منها شرعاً إذا كانت تخدم مصالح المسلمين ، وإنّما ( بالبنط العريض ، المانع الشرعي هو الصلح والمصحوب أيضًا للأسف الشديد بالمودّة والولاء لأعداء الله ، وهذا منهيّ عنه بنصّ القرآن والسنّة ، بل والأكثر من ذلك هناك أمر بالإستعداد والتجهيز لمواجتهم ، والتصدي له ، بل ونيل الشهادة في سبيله ، ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )
