الحرب تعود إذا تغيرت ظروف ايقافها!
هاني عرفات
إذا ما نحينا جانباّ تسريبات اكسيوس، والتي أصبح معروفاً للقاصي والداني، أن تقاريرها وتسريباتها، تخدم عادةّ، دوائر مقربة من إسرائيل، خصوصاً الصحفي الاسرائيلي المؤثر فيها باراك راڤيد ، وهو المقرب أيضاّ ، من مراكز صنع القرار في إسرائيل.
وإذا ما استثنينا ، تصريحات الرئيس الاميركي أيضاً، التي تقول الشيء ونقيضه في ذات الوقت، إما بهدف التضليل، أو التسويق، فإن المعيار الوحيد للاستدلال على سير أمور التفاوض، يجب أن يكون واقع التوازنات على الأرض ، ليس فقط منذ اللحظة، التي صمتت فيها المدافع على الجبهة، بل وأيضاّ الأيام القليلة، التي سبقت هذا الصمت أيضاّ.
عندما اتخذ طرامب قرار الحرب، كان هذا القرار مبنياّ ، على (دراسة) أعدها له نتنياهو، مفادها أن هذه الحرب ، سوف تكون قصيرة جداّ، وتستند على ضربة مباغتة، تقضي على مراكز القيادة والسيطرة الإيرانية، وعقد السيطرة الأمنية الإيرانية، تخرج بعدها الخلايا النائمة في إيران، مدعمة باحتجاجات شعبية عارمة، لدب الفوضى في البلاد، واستلام قيادة بديلة زمام الأمور.
رغم نجاح الضربة الأولى، إلا أن شيئاّ من هذا لم يحصل، على العكس تماماّ، حافظت الدولة على تماسكها، بل أنّ مستوى التأييد الجماهيري للحكم، زاد عما كان عليه قبل شن الحرب، و تمكنت إيران من الحفاظ على قدرتها العسكرية، والرد بشكل موجع، سواءّ على القواعد الاميركية في المنطقة، أو في عمق دولة الاحتلال.
لكن الأهم من ذلك كله، هو تطوران مهمان لم يكونا في حساب، من قام بشن هذه الحرب.
الأول هو قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز، وما تبع ذلك من تأثيرات اقتصادية، ليس على اميركا فحسب، بل على الإقتصاد العالمي إجمالاً.
والتطور الآخر، كان فشل العملية العسكرية في أصفهان، والتي كان من المقرر على ما يبدو، في حال نجاحها، تطوير هجوم بري، لإخراج مناطق من الأراضي الإيرانية، عن سيطرة الحكومة الإيرانية.
هذا الفشل، وإغلاق المضيق، وعدم القدرة على خلخلة نظام الحكم، كانت الأسباب الكامنة، وراء قرار وقف إطلاق النار، هذا لا يقلل من دور عوامل أخرى، من قبيل الضغوطات الدولية لوقف الحرب، بما فيها صرخات الاستغاثة القادمة من دول الخليج، واستنزاف الذخيرة الاميركية والاسرائيلية، التي لم تعد سراّ، وعامل الحرب على الجبهة الروسية الاوكرانية، الذي سنأتي على ذكره لاحقاّ.
لكي تستأنف الحرب، يجب أن يتم استحداث ظروف مغايرة، للظروف التي إنتهت إليها المعارك.
رغم كل ما يقال، و رغم التهديدات التي تطلق بين الفينة والأخرى، فإن هذه الظروف غير متوفرة في الوقت الحالي، عنصر المفاجأة لم يعد قائما، تفكيك الحاضنة الشعبية الإيرانية لنظام الحكم، أصبح مستحيلاّ أيضاّ، في ظل أجواء الحرب، التحالف ما بين الولايات المتحدة، اسرائيل وبعض دول الخليج، هو الذي تخلخل، بعد أن أدركت هذه الدول، أن خيار الحرب أكثر مرارةّ ، من بقاء النظام الإيراني.
يضاف إلى هذه العوامل، التصعيد الذي يبدو مقصوداّ، في هذا الوقت بالذات، على الجبهة الروسية الاوكرانية، حيث أن تجدد المواجهة في الخليج، و تركيز الجهود على هذه الجبهة، قد يعني في ظل التصعيد القائم، سقوط النظام في كييڤ، أو على أقل تقدير، قد يمكن روسيا من فرض المعادلات التي تريدها هناك.
وإذا أضفنا إلى كل ما سبق، الزيارة الفاشلة، التي قام بها الرئيس الأميركي إلى الصين، تصبح الصورة أكثر وضوحاّ.
في ظل هذه الظروف، أعتقد أن الإدارة الأمريكية ، ترغب في توقيع صفقة ما ، أكثر من أي وقت مضى، وإن كان على مضض، وإن كانت جزئية وغير مكتملة، وحمالة أوجه.
الأمر الذي يحول دون ذلك الآن، هو المعارضة الشديدة ، التي يبديها نتنياهو لهذا الاتفاق، لأن هذا ببساطة يعني نهايته السياسية.
وبغض النظر عما يقال في الصحافة الاسرائيلية، عن تبعية حكومة نتنياهو لإدارة الرئيس طرامب، فلا يجب أن يغيب عن بال أحد، قدرة نتنياهو على التأثير على الإدارة، خصوصاّ من خلال الأبواب الخلفية، المؤثرة على قرارات الرئيس الأميركي.
نتنياهو يمتلك الكثير من مفاتيح التأثير في واشنطن، بعض هذه المفاتيح، هم كبار الممولين لطرامب، مثل اليهودية الأميركية مريام ادينسون، المليارديرة وصاحبة سلسلة كازينوهات، و السيناتور ليندسي جراهام و تيد كروز، و علاقات درايمر المتشعبة، في غرف القرار الأميركي، بما فيها علاقاته مع المبعوثين ويتكوف وصهر الرئيس كوشنير.
من هنا أيضاّ ، يمكن فهم تصريحات طرامب الأخيرة، بأن أي اتفاق مع طهران، يجب أن يحتوي على توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، وذلك من أجل وضع ،بعض السكر على الاتفاقية المحتملة، حتى يستطيع نتنياهو تجرعها
2026-05-27