كي لا يعيد التاريخ نفسه يتوجب على العراقيين أن يتنبهوا إلى ما أطلقته وسائل الدعاية السعودية مؤخرا حول خططها في إنشاء حلف عسكري إسلامي لمحاربة الإرهاب.
ربما يكون من نافلة القول في تحليل “التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب” الذي تدعو إليه السعودية وبقية محميات الخليج العربي أنه بات واضحا للقاصي والداني أن هذه المحميات هي منشأ الإرهاب، ومصدر تمويله، وتدريبه بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ولذلك فإن محاربتها للإرهاب كلام لا يعتد به.
يجب التوجه مباشرة إلى علاقة هذه الخطط بانسداد آفاق المخططات السعودية في سورية، وبالوضع في العراق، وبالموقع الذي يراد للعراق أن يحتله في الخطط السعودية الأمريكية والإسرائيلية في مواجهة إيران. يبدو أن هناك نية سعودية لتصعيد خطير على الجبهة العراقية.
ولا يُضعف هذه النية ما يحصل اليوم من تطورات عسكرية في محافظة الرمادي وتمكن القوات العراقية من استعادتها، على ما يبدو.
في العقود الأربعة الأخيرة أصبحت جمهورية إيران الإسلامية الشغل الشاغل للنظام القرووسطي في السعودية، باعتبارها القضية التي تقض مضاجعها، وتجعلها تشعر بتهديد متواصل، فقد أصبح العملاق الإيراني وكأنه ملك الموت المرسل لقبض روح هذا النظام.
ويتخبط هذا النظام في ردود أفعاله، فتارة يبدد ميزانيته في مجهود لا سابق له في نشر القتل والدمار في سورية، وتارة في ممارسة الهمجية والوحشية في اليمن.
ولا ينبغي للعراقيين أن ينسوا كيف تغلغل النظام السعودي عام 1980 إلى رأس صدام حسين، وتمكن من إغرائه بلعب دور حارس البوابة الشرقية للوطن العربي الذي لم تكن السعودية في يوم من الأيام تبالي له، ولأبوابه، وشبابيكه. لقد ابتلع صدام حسين الطعم، وأغرق العراق في حرب مدمرة استمرت ثماني سنوات، كان يراد منها تدمير إيران والعراق معا، ليصحو صدام بعد الحرب ويعيد اكتشاف حقيقة أن محميات الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية، هم ألد أعداء القومية العربية التي وصل بفضلها صدام حسين إلى حكم العراق.
رأينا كيف أن تلك المحميات البريطانية والأمريكية، بعد أن ظنت أنها روضت إيران، انقلبت على العراق وعلى صدام حسين لتحيلهما إلى كومة أنقاض بتمويلها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على العراق مرتين، مرة عام 1991 وأخرى عام 2003.
ما لم يكن في حسبان حكام السعودية هو أن تستطيع إيران النهوض من كبوتها في وقت قياسي لتصبح بعد سنوات قليلة ماردا حقيقيا، وكابوسا يؤرق ليلهم، ويتلف أعصابهم، فبدأ بحثهم الحثيث عن صدام جديد ليحمي بواباتهم وفتحاتهم الشرقية والشمالية التي باتت مشرعة أمام الرياح الإيرانية.
كاتب هذه السطور نبه مرارا إلى أن غرض السعودية من التقارب مع تركيا هو أولا وأخيرا التآمر على تركيا، على أمل جعل رجب طيب آردوغان يلعب دور صدام حسين آخر، فيُدخل تركيا في صراع مع جارتها إيران، لتنشغل بها إيران عن السعودية وبقية محميات الخليج العربي إلى حين، صراع تكون عواقبه أشد كارثية على الشعبين الإيراني والتركي من تلك التي تسببت بها الحرب بين العراق وإيران بين عامي 1980 و1988.
لقد لاقت المحاولات السعودية والخليجية عامة تجاوبا كبيرا من قبل تركيا لدوافع تختلف تماما عن دوافع السعودية وأخواتها الخليجيات، فالسعودية في واد وتركيا في واد آخر. هناك في تركيا صعود غير مسبوق على مدى القرن الماضي للنزعة القومية التركية المتشددة بالتزامن والتلازم مع صعود النزعة القومية في روسيا، وإلى حد بعيد في إيران. هذه النزعة، التي ليس حزب العدالة والتنمية إلا واجهة دينية لها، لها معان متناقضة بالنسبة إلى المحاولات السعودية والخليجية لجر تركيا إلى النزاع مع إيران.
هناك لدى الأتراك رغبة عميقة في إحياء الماضي الامبراطوري لتركيا، وهنا فإن وجود أطراف ومواقع قوة تسهل عودة الامبراطورية بشكل من الأشكال أمر مرحب به من القوميين الأتراك، وهناك حقيقة أن انبعاث الروح القومية التركية، خاصة في ظروف انبعاث الروح القومية في روسيا وإيران، يعني بالضرورة العودة إلى الصراعات القديمة مع هاتين القوتين.
بالنسبة إلى احتمالات التصارع مع إيران فإن هذه الجبهة بالذات هي نقطة التلاقي بين تركيا وبين السعودية وأخواتها، ولكن أيضا من منطلقات مختلفة وأهداف مختلفة.
وهناك الذكريات المريرة التي لم يقلل من مرارتها مرور قرن كامل عليها، نعني ذكريات الحرب العالمية الأولى، ودور أمير الحجاز في تدمير الامبراطورية العثمانية.
إن صورة “العربي الخائن” من الصعب جدا أن تبرح الوعي القومي التركي. حتى رجب طيب أردوغان، وهو المتحمس فوق العادة للعمل سوية مع السعوديين والقطريين، يمد إليهم يده وهو يسترجع في ذاكرته، دون أدنى شك، ما قرأه في الكتب المدرسية عن وحشية “قطاع الطرق” في الحجاز ونجد الذين سهلوا للورنس العرب هزيمة الجيش التركي وذبح جنوده في القاطع الجنوبي للحرب.
وفي خضم هذه التناقضات تتبلور صورة الوضع الحالي الذي يمس العراق في الصميم. ثلاثة أمور تقع في جوهر هذه الصورة:
أولا) تركيا تستفيد من السعودية وجوقتها إلى أقصى حد لتحقيق مصالحها دون الانجرار إلى هلوسات السعودية حول إيران.
ثانيا) تركيا وإيران، وعلى الرغم من تضارب مصالحهما أحيانا كثيرة بشكل جوهري، لن تخوضا حرب مواجهة مباشرة على الحدود بينهما، ناهيك أن تكون هذه الحرب نيابة عن السعودية. بين تركيا وإيران مصالح اقتصادية مشتركة لا يمكن لأي منهما تعريضها للخطر مهما تعارضت لهما مصالح أخرى في هذا المكان أو ذاك.
ثالثا) إن الصراع بين تركيا وإيران كان تاريخيا ودائما يدور في أرض غير أرضهما. هناك مصادر تاريخية مهمة تبين لنا بشكل مأساوي كيف أن العراق كان بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر مسرح هذا الصراع، وكم عانت بغداد بالذات من ذلك الصراع بين القوتين العظميين.
في تلك القرون كانت بغداد تقع بين فترة وأخرى تحت الاحتلال الفارسي الذي تصحبه مذابح للسنة، ثم يعود الجيش التركي لاستعادتها مرتكبا المذابح بحق الشيعة.
وما تزال بصمات الصراع الدموي بين الفرس والعثمانيين على حكم بغداد، والذي بلغ ذروته بين عامي 1623 و1639 في قصة بكر صوباشي، واضحة في لاوعي العراقيين، وفي ثقافتهم الحزينة حتى اليوم.
في حصار الفرس لبغداد يومها وصلت حال المدنيين العزل درجة من السوء بحيث لم تتوقف المجاعة عند جعلهم يأكلون الكلاب والقطط، بل وفي حالات كثيرة اضطر الناس إلى أكل موتاهم!!!! (كتاب: أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث – تأليف ستيفن لونكريك، ترجمة وتحقيق جعفر الخياط، جدير بالقراءة).
إن المصالح التركية الخليجية تتلاقى اليوم في نقطة يمكن أن تجعل ذلك التاريخ يتكرر بصورة مطابقة للأصل متخذا من الصراع الداخلي العراقي المفتعل بين الشيعة والسنة نفس الغطاء الذي اتخذه دائما خلال تلك القرون.
في السنوات الخمس الأخيرة كانت تركيا وإيران في صراع جانبي باعتبارهما جزء من الحرب التي تدور في سورية، ويجب أن نشدد على كلمة “جزء” فهما لم تكونا هناك لوحدهما لأن الحرب على سورية هي حرب عالمية بكل معنى الكلمة. وقد حاولت السعودية وجوقتها الخليجية أن تشبك تركيا في حرب مباشرة مع إيران هناك، ولكن دون جدوى، فالدولتان لم تتصارعا، تاريخيا، على الأرض السورية كما فعلتا في العراق.
إن حربا حقيقة، ولكن غير مباشرة، بين تركيا وإيران يمكن أن تقع وتحسم على أرض العراق حصرا. ومن يراقب الوضع عن كثب سيرى بكل وضوح أن ظروف المنطقة كلها وظروف العراق بشكل خاص تترتب بشكل يساعد على تكرر مآسي الماضي بشكل يثير العجب.
في الحقيقة فإن الكارثة العراقية التاريخية التي تكونت في تلك القرون الأربعة بدأت دورة جديدة لها بدخول إيران إلى العراق في أعقاب الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي بشكل يتطابق تماما مع دخولها بصورة متكررة في تلك القرون، وما ينتظر في الدورة التاريخية الجديدة هو أن تتكرر عودة الأتراك كي يزيحوا الإيرانيين، كما كان يحدث كل مرة. والأتراك يبدون راغبين في تكرار ذلك القدر، بل ومتحمسين للفكرة إلى أبعد حد، سواء كان ذلك عن اعتقاد بتاريخية ذلك القدر أو استجابة لمصالح آنية.
بعد فقدها لسورية، وبعد تفجر الصراع مع روسيا بما يعنيه ذلك من ضغوط اقتصادية، أصبح العراق الآن بالنسبة إلى تركيا شريان الحياة الذي يستحق استرجاعه من أيدي الإيرانيين كل جهد وكل ثمن.
العراق هو همزة الوصل بين تركيا وبين حلفاء، أو رعايا، الامبراطورية الجدد في الخليج العربي.
وفي الوقت نفسه فإن السعودية وجوقتها الخليجية، مسنودة بدعم أمريكي جلي، ترى أن استعادة العراق إلى جانبها ستقوي جبهتها ضد إيران، وهي تبذل من أجل ذلك جهودا وأموالا لا حدود لها.
هنا بالذات نرى أن مصالح تركيا الحيوية تتطابق بشكل كارثي، فيما يخص العراق، مع المصالح السعودية الخليجية والأمريكية. ولكن بينما تكمن مصالح تركيا الآنية في ضمان مرور الغاز القطري، البديل للغاز الروسي، إلى تركيا برا، وضمان مرور البضائع التركية إلى الخليج، عبر العراق، فإن استعادة العراق تعني للسعوديين أكثر بكثير من ذلك. إنها تعني تنصيب نظام معاد لإيران كبديل للنظام الموجود حاليا، بل تتعدى ذلك إلى وضع خطط لإعادة تأهيل العراق كقوة عسكرية واقتصادية قادرة على مصارعة إيران كما فعلت في حرب السنوات الثماني. إن إعادة حزب البعث إلى السلطة لا يستثنى من الخيارات المتاحة، إن لم يكن هو الخيار الوحيد المتاح عمليا.
لقد انكشف مؤخرا جانب من تغلغل الاستخبارات القطرية في جنوب العراق لا يمكن تفسيره إلا كمبادرة لجس النبض ومحاولة زرع بؤر للفساد القادم.
وكذلك شهدنا توترا بين العراق وتركيا حول وجود قوات تركية بالقرب من الموصل.
إن من المعروف أن هذه القوات التركية وجدت هناك وفي أماكن أخرى في شمال العراق بموافقة ومباركة تامة من الحكومة العراقية وفق اتفاقيات بين الطرفين هدفها الأساس تحجيم الحركة الكردية في شمال العراق، ومحاصرتها، وقطع التواصل بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني والمقاتلين الكرد في شمال سورية. ولا يفهم من الامتعاض المفاجئ لحكومة بغداد من وجود تلك القوات إلا شيء واحد، وهو أنها صارت تشعر بأن تلك القوات التركية صار لها هدف آخر غير المتفق عليه.
ثم لا ينبغي لنا أن نفصل مسألة إنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر عن هذه الصورة.
وفي هذا الوقت بالذات بلغ الفساد السياسي والإداري، والاقتصادي في العراق حدودا غير معقولة يرافقه تذمر شعبي واسع بحيث يبدو النظام وقد فقد حتى الدعم الطائفي الذي كان يتمتع به في المراحل الأولى بعد الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي الذي جلبه إلى الحكم. بعبارة مختصرة فإن الأغلبية العظمى من العراقيين يئسوا من إصلاح هذا النظام، وباتوا مستعدين لتقبل تغيير جذري له. وفي غياب قوى عراقية قادرة على إجراء مثل هذا التغيير تتزايد فرص السعودية وتركيا لجلب نظام موال لهما يؤمل العراقيين بزوال الفساد، وبوضع اقتصادي وإداري أفضل، ربما بوقوع حركة تمرد متواضعة تحظى على الفور بدعم تركي خليجي أمريكي غير محدود.
ربما لا نُصيب في تحليل التفاصيل (بل وعسى أن نكون مخطئين)، ولكن الموضوع في خطوطه العريضة لا يقبل التأويل، فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على شعب إيران لا يمكن أن تتوقف بمجرد توقيع ما أطلق عليه الاتفاق النووي، والسعودية لن يهدأ لها بال حتى يكون في العراق صدام حسين جديد يحميها بالدم العراقي، وتركيا تتوق إلى ضمان الممر العراقي بينها وبين الخليج العربي، والشعب العراقي يمكن كسبه، أو على الأقل تحييده، في مسألة تبديل النظام القائم في بغداد. عناصر الكارثة متكاملة.
لا يمكن الاختلاف مع العراقيين الذين يرون أن هذا النظام الذي يحكم العراق (أو أجزاء من العراق) اليوم هو نظام خيانة وطنية لأنه وصل إلى السلطة على ظهور الدبابات الأمريكية والإسرائيلية، وما يزال يرتبط مع أمريكا، وبالتالي مع إسرائيل، باتفاقات أمنية قد تستخدم قريبا لإزاحته عن السلطة. إنه نظام لم يجلب إلى العراق غير الفساد والتخلف والمآسي، فهو لم يضع على مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية من عمر الاحتلال حجرا على حجر في العراق، ولم ينجب غير اللصوص وسراق نفط العراق.
ولكن على العراقيين أن يكونوا على حذر فالنظام الذي تقوم السعودية بإعداده كبديل لهذا النظام الفاسد سيكون نظاما دمويا لن يتورع عن ارتكاب مجازر أبشع من التي اقترفها النظام الحالي بدعم من المحتل الأمريكي، وسوف يأتي ومعه سياسة “اجتثاث” جديدة، في الغالب طائفية بغيضة، ستترك أثرها على العراق لأجيال عديدة.
من الأفضل للعراق وللعراقيين أن يبقى هذا النظام الفاسد، بكل معنى الكلمة، مكلكلا على صدورهم بكل فساده وتخلفه لعشر سنوات أخرى حتى تنشأ في العراق، وتتبلور، قوة وطنية سياسية وعسكرية، لها برنامج إصلاح وطني، وقادرة على كنس الفساد، وإقامة نظام وطني تقدمي جديد، بدلا من أن يزاح الفاسدون عن الحكم بحراب احتلال جديد يأتي على ما تبقى في البلد.
لا ينبغي للعراقيين أن يطلقوا مرة أخرى رصاصة واحدة باتجاه إيران، أو ينزفوا قطرة دم لحماية عروش حكام الخليج. أما بالنسبة إلى تركيا فعساها أن تدرك قبل فوات الأوان أن نظاما وطنيا عراقيا يقيم معها علاقات ودية ومثمرة على أساس التعاون والاحترام المتبادلين سيكون أكثر ضمانة لمصالحها المشتركة مع العراق من ركوب الحماقات السعودية لمجرد ضمان المنفذ العراقي إلى الخليج عن طريق إعادة دورة التاريخ فيما يتعلق بعلاقة تركيا بإيران في الساحة العراقية.
إن السعي إلى تكرار الماضي الإيراني/التركي في بغداد سيساعد على تكرار هذا الماضي بالنسبة إلى علاقة تركيا مع العرب أيضا، إن من طعنوا العثمانيين من الخلف قبل قرن من الزمان لن يترددوا في طعنهم هذه المرة أيضا، فمن ارتكب الخيانة مرة يرتكبها مرات.
العراق سيستعيد عافيته يوما من الأيام، وستكون لشعبه حتما علاقات احترام وود متبادلين مع شعبي إيران وتركيا، لكنه لن يكون على ود مع السعودية قبل أن يزول منها النظام القرووسطي الذي عاش على مر الزمن كما تعيش الطفيليات .. على دماء الجيران.