المضمون الحقيقي للثورة أنها انتقال من واقع مليء بالمظالم إلى واقع بديل. والمشروع الثوري الحقيقي هو تجهيز “بديل الواقع المرفوض”، وضمان تحققه في المستقبل. ويجب عدم اختزال الثورة بالتخلص من العقبة التي تمنع المرور نحو المستقبل، فهذه ضرورة تأتي في سياق تطور المشهد الثوري. لكن هناك واقع ظالم، وهناك مستقبل يمثل واقعاً بديلاً، وهناك عقبة تحول بين الشعب وتحقيق الواقع البديل والمضي نحو المستقبل، فمجرد إسقاط العقبة لا يعني انجاز الثورة. واختزال الثورة بإسقاط المستبد الفاسد وعائلته، ينطوي على خديعة تاريخية، وهي إدامة الواقع الراهن بمستبد فاسد جديد. ويجب الانتباه إلى أن التخلص من المستبد الفاسد وعائلته، تفصيل صغير وتافه مقارنة بالاستحقاقات الثورية الحقيقية، التي هي فتح المسارات نحو المستقبل وتأسيس الواقع البديل، وعنوانه بناء الدولة الحقيقية.
إن المطلوب استرداد الدولة سلطة وموارد وبناء الدولة الحقيقية التي تعبر عن القيم العليا للشعب وتخدم مصالحه في ذات الوقت. وهذا شعار يتضمن التخلص من المستبد الفاسد، ولكنه يقول بوضوح أن اسقاط المستبد الفاسد والتخلص منه ومن عائلته ليس هو الهدف الثوري، وإن نشأت في الطريق ضرورة التخلص من “كومة زبالة” التي تعترض مسار الشعب لاسترداد دولته وبناء الدولة الحقيقية.
صحيح أن المشروع الثوري يحتاج إلى خطاب ثوري يحمله، لكن الخطاب الثوري يجب وبالضرورة أن يتجاوز الحديث عن العقبة التي تعترض طريق الشعب نحو مستقبله، ويديم التركيز على المظالم التي يعاني منها الشعب الأردني، والتي يجب أن ترفع فوراً ودون مساومات وتسويف، وكذلك التركيز على رسم معالم المستقبل. فالثورة لا تكون من اجل التخلص من المستبد الفاسد فقط، فهذا تفصيل صغير في مشروع الثورة، الثورة تكون من اجل التخلص من المظالم وتحقيق أحلام المستقبل.
وشعار اسقاط النظام يجب أن لا يرفعه الحراكيون “لفشة غلهم”، فهذا الشعار يتحدد في مسارات تطور الحدث الثوري، والتحولات في موازين القوى هي التي تقرر متى يُرفع هذا الشعار، أو ربما عدم رفعه اطلاقاً لأنه قد يتحصل بشكل تلقائي. صحيح أن الذي يستدعي الخيار الثوري هو وجود المستبد الفاسد وعائلته في الحكم، إلا أن الهدف ليس استبدالهم بمستبد فاسد جديد، بل المطلوب توضيح المظالم التي يجب أن تنتهي بشكل فوري وبضمانات حاسمة بعدم تكرارها، وبصورة واضحة للدولة الحقيقية التي تعبر عن القيم العليا للشعب وتخدم مصالحه في ذات الوقت.
ثورية الخطاب لا تتعلق بالموقف من المستبد الفاسد وعائلته، بل بالمنطق الذي يصوغ المظالم الناتجة عن حكمه وتفاصيل المرحلة التي ستكون بعده. ثورية الخطاب هي التأكيد على أن الشعب هو صاحب الحق “وأن الحاكم كائناً من كان” في خدمة الشعب، وليس سيداً له. ثورية الخطاب ليست الأعداء الذين يتم تحديدهم، بل هي التوضيح الحاسم أن نقطة الاسناد المركزية وهي تحرر الشعب من هيمنة المستبد الفاسد وعائلته، وانهاء الصلة معهم. الخطاب الإصلاحي قال إن الملك شريك في الحلول وشريك في المستقبل، والخطاب الثوري يقول بحسم لا يقبل التأويل أن الشعب سيحكم نفسه بعون الله ودون وصاية من أحد، ودون “شريك مضارب”.
هذا الموقف هو الذي يمنح ثورة الشعب الأردني مضمونها، فالثورات إزاحة في مركز السلطة وانتقالها لمركز جديد. وفي الحالة الأردنية فإن الثورة تعني إزاحة مركز السلطة من الملك وعائلته إلى الشعب ومؤسسات الدولة. وثورة الشعب الأردني هي باسترداد دولته بكامل سلطاتها وكل مواردها، وأن يعهد بإدارة الدولة إلى المؤسسات التي يشرف عليها، وإلى من يفوضه وليس لمن يفرض نفسه إرادة فردية فوق إرادة الشعب ويدعي الوصاية عليه. وهذا يعني انتهاء عهد وصاية الملك وعائلته، وقولهم كذباً أن الشعب الأردني لا يميز اليمين من اليسار ويحتاج وصياً عليه يذله وينهب موارده، مقابل خدمات الوصاية. وضمان انتقال مركز السلطة من الملك وعائلته نحو مؤسسات دولة الشعب الأردني الحقيقية، هو المضمون الحقيقي للثورة، الذي لا يتحقق بمجرد اسقاط النظام. الملك وعائلته ضمن هذا السياق مجرد عنوان هامشي وصغير من الماضي الذي ستحررنا الثورة منه، ويجب عدم التوقف عنده.
ما يقتضي فك ارتباط المشروع الثوري والخطاب الثوري عن شعار اسقاط النظام، هو ان المشروع الثوري يتبلور ليستمر ما بعد التخلص من المستبد الفاسد وعائلته. سوف يبقى الخيار الثوري حياً ومستمراً لمنع تكرار الخطأ التاريخي بان يسلم الشعب مقاديره لعائلة.
إن المهمة المركزية للخطاب الثوري الأردني هو فك ارتباط الشعب الأردني مع الملك المستبد الفاسد وعائلته، فالشعب هو السيد وهو الحارس وهو الحاكم، وهو الإرادة الوحيدة في وطنه. والطريق نحو المستقبل لا تحتمل وجود شركاء من ميراث الوصاية والانتداب، والمطلوب تغيير جذري لا يمكن للمستبد الفاسد أن يكون شريك به، والثورة ليست لتعليمه ولا لتأديبه، فمرحلة مطالبة المستبد الفاسد وعائلته بتغيير النهج مضت وانقضت، وسيفرض الشعب بعون الله وإرادته وقوته النهج الذي يرتضيه، دون مساومات ودون أكاذيب الملك ونهبه مع عائلته لموارد الدولة.
أخيراً، صحيح أن المستبد الفاسد وعائلته مسؤولون عن مظالم الشعب الأردني ومعاناته، وصحيح أن تطوير الواقع وبناء الواقع البديل يقتضي التخلص منهم، وصحيح أيضاً أن تفصيلاً بسيطاً من مضمون شعار استرداد الدولة سلطة وموارد هو التصادم معهم، كما أنه من الصحيح القول أنهم العائق الذي يمنع بناء الدولة الحقيقية في الأردن، إلا أن اختزال الثورة بمجرد التخلص منهم، والقول لشعبنا بأن مجرد التخلص منهم كل شيء سيكون بخير ليس صحيحاً، وأن اختزال الثورة بشعار اسقاط النظام هو خداع لشعبنا، فالثورة مشروع متكامل، واسقاط النظام ضرورة تأتي في أوانها.
2022-11-06