أزمة المثقفين والحوار الوطنى !! إعادة تدوير للماضى !!

بقلم / ياسر رافع
أين المثقفين ؟ سؤال يشغل الشارع المصرى منذ قيام ثورة 25 يناير2011 وما تلاها فى 30 يونيو2013 وهو سؤال تزداد الحاجه إلى إجابته يوما بعد يوم ، خصوصا وأن معظم المثقفين ثوريتهم سماعيه لم يشاركوا فى صنع ثورة ملهمه قبل ذلك بل تفاجئوا كما تفاجئ الجميع بأن الثورة جاءت من شباب ثارعلى أوضاع عفنه وأراد تغييرها ، بل نستطيع أن نقول أن معظمهم تم صناعتهم فى أزمنه سابقه للتأكيد على شرعية النظم السابقه ، وهذا بالطبع ينسحب على الغالبية العظمى منهم وليس كلهم بطبيعة الأمور .
……………………………………………………………………………………..
عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة ضباط الجيش ، حدثت أزمة ثقة كبيرة بين المثقفين وضباط الجيش على الرغم من أن المثقفين فى غالبيتهم إستقبلوها بترحاب كبير ورغبة منهم فى إيجاد زمن جديد ، لكن بمرور السنوات زادت الفجوة وهو ما إستدعى أن يقوم الأستاذ ” محمد حسنين هيكل ” بكتابة أربع مقالات عن ” أزمة المثقفين ” فى العام 1961 ( بعد مرور ثمانى سنوات على قيام الثورة ) يشرح ويحلل فيها أسباب الأزمة وشدد فى البداية على ” إن التلاقى والإمتزاج بين ما أسميه قوة الدفع الثورى وبين ما يسمونه المثقفين أمر حيوي لتوسيع وتعميق مجرى العمل الثورى إندفاعا إلى إقامة المجتمع الجديد ” , وأستمر هيكل شارحا أسباب أزمة المثقفين والتى لخصها فى ثلاثة أزمات رئيسة كالتالى :
” قامت الأزمة الأولى حول المطالبة بعودة الجيش لثكناته فى أعقاب تصدية لتنفيذ ثورة 23 يوليو ،
وقامت الأزمة الثانية حول المطالبة بعودة الحياة النيابية وبعودة الأحزاب السياسية بإعتبار أن ذلك فى رأى المطالبين به هو اساس الديموقراطية وصورتها التى لا تتغير . وقامت الأزمة الثالثة حول ما أسموه فى ذلك الوقت بالمفاضلة بين أهل الثقة وأهل الخبرة وتركزت هذة الأزمة فى الواقع حول تعيين بعض العسكريين فى عدد من الشركات والهيئات والمؤسسات وفى وظائف يبدو أنها فنية بحتة لا تحتمل غير المتخصصين فى أعمالها ”
لكنه فجأة يشن هجوما خاطفا على المثقفين قائلا ” فى هذا كله أين كان المثقفون ، وأين كان دورهم الطليعى فى قيادة الجماهير ، بعضهم بإرتباطاته الطبقية كان يقف فى الصف المعادى للجماهير ، والبعض الأخر بحكم إيثار العالفية على الأقل كان يقنع بالإنزواء ويباشر رعايته لمصالحه الشخصية من غير تعرض غير مأمون العواقب لمجرى الأحداث ”
وعلى الرغم من أن الأستاذ ” هيكل ” لم يكن الأول الذى تحدث عن أزمة المثقفين فقد سبقه إلى ذلك الأستاذ ” أحمد بهاء الدين ” والأستاذ ” لطفى الخولى” وغيرهم إلا أن مقال ” هيكل ” الأول حول الأزمة قوبل برد فعل هجومى عليه مما دعاه لكتابة ثلاث مقالات أخرى شارحه لموقفه ، عاتبا على المثقفين موقفهم الغير واضح من ثورة 23 يوليو ورغبتهم فى التغيير بضمانات من الجيش دون أى تضحية منهم قائلا ” فإن الثورة ليست عملا يمارس تحت ظل الأمان والضمان ، إنما الثورة إندفاع إلى التضحية بدافع الإيمان ”
وعاب عليهم عدم إدراكهم للحظة التغيير قائلا ” أفدح منه فى تصورى خطأ المثقفين ، الذين لم يدركوا حتى الأن أن التغيير المحتم الذى لا مفر منه ، ليس هو مجرد تغيير رأس الدولة وإنما بداية تغيير المجتمع من أساسه ” ومضى يقول ” ومضى هؤلاء وهؤلاء ينتظرون الأيام لعل الأيام تأتى معها بجديد ، وراحوا فى تبرير الإنتظار يصورون لأنفسهم أنهم قليلى الحيلة على أية حال فى مواجهة القوة القاهرة ”
ثم يأتى إلى لب مطلبه من المثقفين بإعتباره متحدثا بإسم السلطة وشارحا لمفهوم ” الوعى” الذى تحدث عنه الرئيس ” جمال عبدالناصر” قائلا ” ولقد كان الدور الطبيعى الواجب للمثقفين ، ليس مجرد أن يتعاونوا مع الثورة ، وإنما أن يتفاعلوا مع الثورة وأن يتبنوا قضيتها ، أن يأخذوها ، أن يعطوها من فكرهم نظريتها الوطنية ، أن يصوغوا من أعماق ضميرهم وعلمهم عقيدتها الثورية أى طريقها إلى التغيير الأساسى والجذرى للمجتمع المصرى ”
……………………………………………………………………………………..
لم تكن 1961 سنه عادية ، فلم تكن الذكرى الثامنه لقيام الثورة ، ولا الذكرى السادسة لأزمة مارس 1954 الديموقراطية ، ولا هى بالطبع سنة أزمة المثقفين ، ولكنها كانت تمثل حدثا فريدا من نوعه فى مصر الحديثة ، حيث إجتماعات اللجنة التحضيرية ” للمؤتمر الوطنى” حيث المناقشات بشأن طبيعة نظام الحكم ، وبناء شرعية جديدة ، وكذلك الشكل الإقتصادى للبلاد ، وقد شارك فى فعالياته كل الأطياف السياسية فيما عدا ” أعداء الشعب ” .
وقد إنتهى هذا المؤتمر بعد الأخذ بالمناقشات والتعديلات من خلال اللجان النوعية والقواعد الجماهيرية ، إلى إقرار ” ميثاق العمل الوطنى ” فى 30 يونيو 1962 ، كوثيقة إسترشادية لطبيعة عمل الدولة خلال عشر سنوات وقد فسر الرئيس ” عبد الناصر” ذلك قائلا ” بنعمل محاولة … بنقدم مشروع للميثاق الوطنى بيبقى دليلنا للعمل ، بعد كده كل سنه بنغير ، لأن النظرية أو ميثاق العمل الوطنى لن يكون إلا نتيجة لدراسة مشاكل المجتمع ” _ كتاب نداء الشعب تاريخ نقدى للأيدولوجيا الناصرية _
وكان الملفت هو تأطير أوإدماج المثقفين داخل صلب الدولة الجديدة ، وقد إنقسموا لقسمين ، الأول سارع بالإندماج لطبيعته المتعلقه بسلطة الحكم أيا ما كان الحاكم كما كان قبل ثورة 23 يوليو ، والثانى إنضم بعدما تيقن من صدق النوايا أو أن التجربة مع النظام الجديد إن لم تفيد فهى لن تضر حتما .
وأصبح المثقفين السلبيين كما هم ، آثروا السلامه كما فى كل عهد خوفا من دفع فواتير لا يقدرون عليها .
…………………………………………………………………………..
بعد قيام ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها فى 30 يونيو 2013، قد بدا واضحا أننا نعانى من أزمة مثقفين متجددة ، وأن الثورة فاجأتهم كما فاجأتهم حركة الجيش 1952 ، فهم لم يستطيعوا ملئ الفراغ بين السلطة والجماهير ، ولم يبشروا بثورة ولا أعدوا لها ، وأنهم فى غالبيتهم لم يخرجوا عن الثلاث فئات التى ذكرها ” محمد حسنين هيكل ” فى مقالات ” ازمة المثقفين ” ، حيث فئة مع سلطة الحكم تحافظ على مكتسباتها الطبقية والوظيفية ، وفئة مارست الفعل الحزبى دفاعا عن مكاسب حزبيه ، وفئة ثالثة آثرت البعد عن السياسة وتفضيل العمل فى القطاعين العام والخاص من أجل سلامتها لما فى العمل العام من مشاكل سياسية وأمنية .
لهذا جاءت سنة 2022 ، لتعيد تدوير ما حدث فى العام 1961 بنفس أحداثها ، حيث أزمة مثقفين طاحنه يعيدون نفس مطالبهم القديمة ، حيث مسألة تحكم الجيش فى مفاصل الدولة ، وتنظيم جديد للعملية السياسية والحزبية وفتح المجال للكفاءات بعيدا عن أهل الثقة ، وتصطدمهم إجابة ” هيكل ” ، ” أين كان المثقفون ، وأين كان دورهم الطليعى فى قيادة الجماهير” وأن من ملئ الفراغ السياسى بين السلطه السياسية والجماهير هو الجيش .
وكذلك دعوة رأس السلطه الرئيس ” السيسى ” لـ ” حوار وطنى ” للبحث فى شكل الدولة أو الجمهورية الجديدة إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا ، كما فعل الرئيس ” عبد الناصر” سابقا . ولكن مشاركة المثقفين تبدو غير واضحة المعالم ، حيث أن المثقفين المتحلقين حول السلطه كانوا بطبيعة الأمور هم الأسبق للمشاركه فى الحوار الوطنى ، وأن المثقفين خارج هذا الحوار كما فى السابق ينتظرون وسوف ينتظرون كما فى السابق ، لأنهم لم يدركوا أن الذى يحدث الأن فيه مفاصله تامه عما سبق ، وأن تعللهم بأن القوة القاهرة للمؤسسات الأمنية يبرر إحجامهم عن المشاركة فى الحوار أو الجرأة فى طرح رؤاهم الخاصه ، وكذلك يعولوا على أن النظام سيعطى لهم ضمانات للعمل وفق نظرتهم للأمور .
لهذا لم تدع الحوادث ولا طبيعة المثقف المصري أية خيارات أمام المثقفين المصريين ، الذين لم يتطوروا خارج حاضنة الدولة المصرية منذ ثورة يوليو1952_ الغالبية العظمى منهم _ ولم يعد لديهم إلا خياران وحيدان ، الأول وهو الإندماج داخل الدولة وفق مخرجات ” الحوار الوطنى ” كما حدث مع مخرجات ” المؤتمر الوطنى ” سابقا ، الثانى الحديث عن عمل وطنى موازى لفكر الدولة الجديدة تكون نتيجته الوصول لحالة جديدة ولكن هذا الخيار الثانى يصطدم بطبيعة المثقف المصرى طوال السنوات السابقة التى تفضل إعادة تدوير الماضى على التفكير فى المستقبل وتبعاته ، ما يتبع ذلك من تعلق نظره بالسلطه دائما يراقب حركتها وإيماءاتها وساعتها يحدد حركته الخاصه .
…………………………………………………………………………………..
يبدو أننا نعيش مرحلة مهمة ، ليس لإن هناك جديد ولكن لأننا نشهد أكبر عملية إعادة تدوير للأفكار بنفس آليات العمل ، وللمصادفة البحته بنفس أطراف الصراع وإن تغيرت الأسماء ، السلطه التى تمسك بزمام الأمور والتى ملئت فراغ السياسه ، والمثقفين ، والأحزاب السياسة ، وكذلك إستبعاد ” أعداء الوطن ” ،
لهذا إذا كان المثقفون المصريون يريدون أن يلحقوا بالمستقبل فعليهم بلورة رؤية واضحة لشكل العلاقة داخل البلاد بين السلطة والجماهير تعبرعن الأمال والطموحات وشكل المستقبل الذى نريده ، وعليهم أن يتركوا ساحات السوشيال ميديا ويلتحموا بالجماهير ، ولا تتعلق آمالهم بضمانات تعطيها لهم السلطه .
وحتى يتحقق ذلك ستظل أزمة المثقفين المصريين ” كلاكيت تانى مرة ” وحتى إشعارا آخر
‎2022-‎09-‎12