أزمة الحبوب والوساطة التركية.. ما هي النتائج؟

د. علي دربج *

مع اشتداد أزمة الغذاء العالمية نتيجة تناقص إمدادات القمح في معظم الدول وارتفاع أسعار هذه السلعة الاستراتيجية، يبدو أن المفاوضات لاعادة تصدير الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية التي تقودها الأطراف المعنية، خصوصًا موسكو وكييف وأنقرة (كون السفن ستمر عبر مضائقها)،  بالتنسيق مع الأمم المتحدة، تتجه نحو الحلحلة.

 

وتجاوبا مع الجهود المبذولة للتخفيف من حدة أزمة القمح العالمية، تنوي الحكومة الروسية السماح للسفن التي تحمل إمدادات الحبوب بمغادرة ميناء أوديسا في أوكرانيا، مما يخفف من الأزمة التي أثارت مخاوف من النقص والجوع على نطاق واسع.

 

وفي هذا الاطار، كشفت صحيفة “إزفيستيا” الموالية للحكومة الروسية، نقلاً عن الدوائر الحكومية أن القيادة الروسية اتفقت مع كييف وأنقرة على خطة لتمرير شحنات الحبوب من أوديسا.

 

ولهذه الغاية، ستتولى القوات العسكرية التركية عملية إزالة الألغام في المياه الإقليمية، وسترافق السفن أيضا حتى المياه المحايدة” على أن تقوم القطع الحربية الروسية، بمرافقة السفن التي تحمل الحبوب إلى مضيق البوسفور.

 

ما هو دور تركيا في عملية اعادة تصدير الحبوب من اوكرانيا؟

 

تقود أنقرة وساطة مع كييف وموسكو، لحل معضلة الحبوب الاوكرانية، حيث يجري العمل على إنشاء مركز لتصدير الحبوب في اسطنبول، وهو سيسمح بتصدير 20 مليون طن من الحبوب من موانئ أوكرانيا إلى الأسواق العالمية.

 

ترى تركيا أن الطريقة المناسبة والعملية لنقل الحبوب الأوكرانية إلى الأسواق الدولية هي عبر موانئ البحر الأسود وبحر آزوف. ولهذه الغاية تجري انقرة محادثات بشأن التنسيق المستقبلي لمغادرة ووصول السفن الحاملة للحبوب، وكذلك بشأن آلية التنسيق بين كل من تركيا وأوكرانيا وروسيا والأمم المتحدة.

 

واستكمالا للمفاوضات، ناقش ممثلو روسيا وتركيا في 8 حزيران/ يونيو الجاري رفع الحظر عن الموانئ الأوكرانية، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاقات محددة، وبقيت بعض النقاط التي تتعلق بالشق العسكري ودخول السفن الروسية اليها، واللافت انه لم تتم دعوة الدبلوماسيين الأوكرانيين إلى هذه المحادثات الاخيرة، حيث تنتظر أوكرانيا جولة أخرى من المفاوضات مع تركيا.

 

علاوة على ذلك، تبدي تركيا استعدادها للمساعدة في إزالة الألغام بالتعاون مع الجيش الروسي، حيث من المتوقع ان يتفق الطرفان على أفضل السبل لتنظيم حركة السفن لتمكينها من الوصول إلى أعالي البحار بعيدا عن حقول حقول الألغام التي تحتاج إلى تطهير.

 

ما هو موقف روسيا هذه العملية؟

 

تحرص روسيا على التعاطي الايجابي مع كافة الجهود المبذولة للوصول الى حل لمشكلة الحبوب الاوكرانية، وذلك عبر إعلانها قبل أيام قليلة (على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف) ضمان أمن السفن ومرافقتها إلى المضائق (مضيق البوسفور والدردنيل) وأبعد من ذلك إلى البحر الأبيض المتوسط.

 

على المقلب الاخر، يرفض الكرملين اتهامات مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي لروسيا، بالمساهمة المباشرة في نقص التجارة الدولية للحبوب، ويوجّه بدوره أصابع الاتهام للغرب بمحاولة خنق روسيا ومنعها من تصدير منتجاتها الغذائية كالقمح، وذلك باستخدامه سلاح العقوبات الشديدة التي يفرضها على موسكو، مما أدى الى ارتفاع الاسعار وحصول نقص في سلاسل التوريد للدول التي تعتمد على القمح الروسي.

 

تنفي روسيا أيضا إعاقتها لعملية التصدير وتستدل على ذلك بتعاونها وعدم معارضتها لعملية إخراج الحبوب عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة أوكرانيا، خصوصًا في حوض البحر الأسود – ميناء أوديسا والموانئ المجاورة.

 

كما، تدحض موسكو مزاعم كييف حول عسكرة الممرات البحرية في المنطقة، مؤكدة أن الجيش الاوكراني وليس الروسي، هو من قام بنشر الالغام البحرية في الطرق المؤدية إلى الميناء (اوديسا) وتلغيمها ووضع العوائق فيها لإغراق السفن.

 

وتدعو روسيا الغرب بدلًا من تحمليها مسؤولية أزمة الغذاء العالمية، الى الضغط على كييف لازالة هذه الالغام من الممرات البحرية، ورفع السفن من قاع البحر الأسود التي أغرقها الجيش الأوكراني عمدًا من أجل عرقلة الدخول الى هذه الموانئ في جنوب أوكرانيا، وجعله مستحيلًا. 

 

وفي بادرة انسانية، قدمت روسيا الموانئ المطلة على بحر آزوف وبيرديانسك وماريوبول، والتي تخضع لسيطرتها، ووضعتها في خدمة عملية التصدير السلس للحبوب عبرها، بما في ذلك الحبوب الأوكرانية. إضافة الى ذلك تتولى موسكو علمية إزالة الألغام من الحقول البحرية التي قام الجيش الأوكراني بتلغيمها، كاشفة أن العمل يقترب من نهايته.

 

ما هو الرد الأوكراني على هذه المبادرات الروسية؟

 

قابلت أوكرانيا هذه المبادرات الروسية الايجابية، بالتصعيد، وشككت بخطوات موسكو، وذهبت بعيدًا في خطابها، حيث قال الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي إن الأسلحة الأوكرانية بما في ذلك الأنظمة المضادة للسفن ستكون “أفضل الضمانات” لإزالة الألغام في الموانئ، وأضاف إن “كييف تعمل على هذه القضية”.

 

وبناء على ذلك، وتحت ستار رفع الحصار عن الحبوب الأوكرانية، لا يتوقف قادة كييف عن مطالبة الغرب بتزويد أوكرانيا بصواريخ بحرية حديثة لمواجهة الاسطول الروسي الذي يلعب دورًا رئيسيًا في العمليات الحربية.

 

في المحصلة، ما تخشاه موسكو هو عرقلة كييف لجهود اخراج الحبوب الاوكرانية – خصوصا وان الامر سيستغرق حوالي خمسة أسابيع  لبدء عملية التصدير حتى بعد التوصل إلى اتفاق مع روسيا – وذلك من اجل إلصاق التهمة بموسكو، وهو ما بدأت الالة الدعائية الغربية بالترويج له مسبقا، ويتوقع ازدياد وتيرته مستقبلا، والهدف تشويه صورة روسيا وشيطنتها.

باحث ومحاضر جامعي

‎2022-‎06-‎12